
ضربة قلم
اقتصاد الريع في المغرب: من المستفيد الحقيقي وكيف يتم تدوير الامتيازات عبر الأجيال
في المغرب، لا تحتاج دائمًا إلى فكرة عبقرية أو مشروع مبتكر لتصعد إلى القمة… أحيانًا يكفي أن تكون من “العائلة” أو “المعارف” أو من حاملي مفاتيح الولاء. فاقتصاد الريع عندنا ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو فن متوارث، له قواعده غير المكتوبة، وله “مدارس” يتخرج منها أبطال الصفقات.
المستفيدون الصغار معروفون: فنانون وأشباه مثقفين، رياضيون من الصفوف الخلفية، وحتى بعض الشيخات اللواتي يرقصن على إيقاع الولاءات قبل إيقاع الموسيقى. نصيبهم من الكعكة ليس إلا الفتات: مأذونيات نقل تدر عليهم ما يكفي لعيش مرفّه دون مجهود، منح شهرية قد تصل إلى 30 ألف درهم مقابل “خدمات” غامضة، حفلات مدفوعة الأجر، هبات موسمية، أو دعم “ثقافي” يوزَّع بسخاء كلما اقترب موسم الانتخابات أو المهرجانات.
أما الكبار، فقصتهم مختلفة: حاملو رخص الصيد في أعالي البحار، أصحاب المقالع المعدنية، ملاك الأراضي الشاسعة التي منحت بأثمان رمزية، وأولئك الذين نبتت لهم ثروات من صحراء الامتيازات قبل أن يكتشفوا أن الرمال أيضًا يمكن تحويلها إلى عملة سياسية في الخارج. هؤلاء لا يظهرون كثيرًا أمام الكاميرات، لكن أسماءهم محفورة في دفاتر الامتيازات كما تُحفر الأسماء على الأضرحة.
الريع عندنا يشبه شجرة زيتون معمّرة: جذورها تمتد إلى عقود مضت، وفروعها تحمل ثمارًا لا تُقطف إلا في “المحافظ العائلية”. كل جيل يورث امتيازه للجيل الذي يليه، في دورة حياة اقتصادية مغلقة، لا تسمح بدخول الغرباء إلا إذا حملوا بطاقة تعريف ممهورة بختم الولاء أو قرابة الدم أو صداقة المدرسة الخاصة.
وحتى عندما يتحدث المسؤولون عن محاربة اقتصاد الريع، فإنهم يفعلون ذلك ببلاغات رنانة، ثم يذهبون في المساء ليتناولوا العشاء مع أصحاب نفس الامتيازات التي يفترض أنهم يحاربونها. وكأنك ترى طبيبًا يوبّخ مريضه على التدخين، بينما هو ينفث دخان سيجار فاخر.
أخطر ما في اقتصاد الريع أنه لا يسرق المال العام فقط، بل يقتل روح المنافسة. كيف لشاب مجتهد أو مقاولة ناشئة أن تنافس من يملك “صفقة مضمونة” أو “رخصة احتكار” أو “أرضًا بثمن رمزي” حصل عليها لأنه ابن فلان أو صهر علان؟
وهكذا، يبقى السؤال: من المستفيد الحقيقي؟ الجواب بسيط: نفس الوجوه، نفس الأسماء، نفس العائلات، يتغير لون الشَعر، وربما الموضة، لكن حسابات البنوك تبقى كما هي… في تصاعد مستمر.
في النهاية، اقتصاد الريع في المغرب ليس فقط أزمة اقتصادية، بل هو مرآة تعكس صورة مجتمع يوزّع الفرص كأنها ميراث عائلي، لا كميدان تنافس شريف. وإذا أردت أن ترى كيف يتم تدوير الامتيازات عبر الأجيال، فما عليك إلا أن تفتح أرشيف الصفقات والرخص، وستجدها شجرة عائلية أكثر انتظامًا من أي سجل مدني.
تنبيه: الصورة تعبيرية ولا تمثل أي شخص أو جهة بعينها.




