
ضربة قلم
في المغرب، هناك طقوس موسمية لا تحتاج إلى إعلان رسمي، ولا إلى بلاغ من بنك المغرب، لأنها ببساطة أصبحت جزءًا من الفولكلور الإداري اليومي الذي يحفظه المواطن عن ظهر قلب. من بينها تلك اللحظة “السحرية” التي يدخل فيها المواطن إلى وكالة بنكية، فيجد أمامه عشرة شبابيك، مضاءة، مزينة، مجهزة بالحواسيب والكراسي والطابعات… لكن العامل فعليًا؟ شباك واحد فقط يشتغل، وموظف وحيد يواجه طابورًا يشبه طابور توزيع الدقيق أيام الجفاف.
المشهد يتكرر بشكل يثير الريبة أكثر من الاستغراب.
تدخل البنك فتظن لأول وهلة أن المؤسسة تعرض معداتها للبيع:
شبابيك موجودة…
كراسٍ موجودة…
شاشات موجودة…
مستخدمون يتحركون في الخلفية…
لكن الخدمة؟ الله يجيب.
المواطن المغربي، بطبيعته الذكية، لم يعد يصدق بسهولة أن الأمر مجرد “ضغط عمل” أو “صدفة تنظيمية”. لأن الصدفة حين تتكرر كل يوم، وفي كل مدينة، وفي كل وكالة، تتحول إلى سياسة غير معلنة، أو على الأقل إلى ثقافة تدبيرية قائمة على شيء غريب اسمه:
“كيف نجعل الزبون ينتظر أكثر مقابل خدمة أقل؟”
والأجمل أن بعض الوكالات البنكية تعيش حالة فلسفية عجيبة:
كل المستخدمين يبدون منشغلين جدًا…
لكن لا أحد يقترب من الشباك الفارغ.
هناك موظف يطبع أوراقًا بلا نهاية.
وآخر يتأمل شاشة الحاسوب وكأنه يراقب إطلاق صاروخ إلى المريخ.
وثالث يحمل ملفًا ويتجول داخل الوكالة بسرعة توحي أن الاقتصاد الوطني يتوقف على ذلك الملف تحديدًا.
أما المواطن، فيجلس في كرسي الانتظار، وهو يمر بمراحل نفسية معقدة:
في البداية يكون هادئًا…
ثم يبدأ بالنظر إلى الساعة…
ثم يتنهد…
ثم ينظر إلى الشباك المغلق بحقد دفين…
ثم يدخل في مرحلة التأمل الوجودي:
“واش هاد الشباك مسدود بسبب عطل؟ ولا الموظف خرج يتوضأ؟ ولا البنك كيطبق علينا تجربة نفسية جماعية؟”
والغريب أن هذه الظاهرة لا ترتبط ببنك واحد فقط، بل تكاد تكون لغة مشتركة بين عدد من المؤسسات البنكية المغربية، وكأن هناك اتفاقًا سريًا غير مكتوب على أن الزبون المغربي يجب أن يشعر دائمًا بأنه يطلب صدقة، لا خدمة يؤدي ثمنها بالاقتطاعات والعمولات والرسوم الشهرية.
لكن لماذا يحدث هذا فعلًا؟
هناك عدة تفسيرات يتداولها الناس، وبعضها أقرب إلى الواقع مما نظن.
أولًا:
البنوك، مثل كثير من المؤسسات الكبرى، تبحث دائمًا عن تقليص التكاليف التشغيلية. بمعنى أوضح:
موظفون أقل = مصاريف أقل = أرباح أكثر.
وبالتالي، يتم أحيانًا تشغيل الحد الأدنى الممكن من العاملين في الواجهة الأمامية، خصوصًا في الفترات التي تعتبرها الإدارة “غير حرجة”، حتى لو أدى ذلك إلى اختناق يومي داخل الوكالات.
ثانيًا:
هناك توجه متزايد لدفع المواطنين نحو الخدمات الرقمية والتطبيقات البنكية.
لكن بدل تطوير تجربة رقمية سلسة ومفهومة للجميع، يتم أحيانًا خلق نوع من الضغط غير المباشر داخل الوكالات:
انتظر طويلًا اليوم…
وغدًا ستقول بنفسك:
“خليني نديرها فالتطبيق ونرتاح.”
يعني باختصار:
بعض الأبناك تُربي الزبون على الهروب من الشباك.
ثالثًا:
القطاع البنكي نفسه يعيش ضغطًا داخليًا كبيرًا على المستخدمين.
عدد كبير من المستخدمين يشتغلون تحت أهداف مرهقة، وضغط المردودية، ومراقبة الأداء، وطلبات البيع، والتقارير اليومية.
فتجد الموظف نفسه مطالبًا بأن يكون:
موظف استقبال،
ومسوقًا،
ومحاسبًا،
ومستشارًا،
وأحيانًا طبيبًا نفسيًا للمواطن الغاضب.
لهذا، لا يمكن دائمًا تحميل العامل البسيط كامل المسؤولية، لأن كثيرًا منهم بدورهم يشتكون بصمت من نقص الموارد البشرية ومن ضغط الإدارة المركزية التي ترى الأرقام أكثر مما ترى الطوابير.
لكن المواطن، بطبيعة الحال، لا يرى كل هذه التفاصيل.
هو يرى فقط حياته وهي تضيع في الانتظار.
يرى متقاعدًا واقفًا منذ ساعة ليقبض معاشًا هزيلًا.
ويرى امرأة تحمل رضيعًا وتحاول فهم ورقة إدارية معقدة.
ويرى شابًا أخذ إذنًا من عمله فقط ليكتشف أن “السيستم طايح”.
وهذه الجملة وحدها تستحق أن تُسجل ضمن التراث اللامادي المغربي:
“السيستم طايح.”
السيستم عندنا لا يسقط فقط…
بل يسقط في أكثر اللحظات حساسية:
آخر الشهر،
أيام الأعياد،
فترات أداء الفواتير،
وصباحات الصيف الحارقة.
وكأن النظام المعلوماتي نفسه أصبح موظفًا مغربيًا يعاني من الإرهاق الإداري.
الأخطر في كل هذا، أن الانتظار الطويل داخل الأبناك لم يعد مجرد تفصيل مزعج، بل أصبح مصدر توتر اجتماعي حقيقي.
يكفي أن تراقب وجوه الناس داخل بعض الوكالات:
عصبية،
احتقان،
مشادات كلامية،
وأحيانًا انفجارات غضب بسبب أبسط الأمور.
لأن الإنسان حين يشعر أن وقته لا قيمة له، يبدأ تدريجيًا بفقدان ثقته في كل شيء.
والمفارقة المؤلمة، أن الأبناك تحقق أرباحًا ضخمة سنويًا، وتتنافس في الإعلانات اللامعة، والقروض “السعيدة”، والخدمات “المتميزة”، بينما أبسط حق للمواطن، وهو أن يُقضى غرضه في وقت معقول، ما زال يبدو وكأنه امتياز فاخر.
في الدول التي تحترم الزبون، يُعتبر الانتظار الطويل مؤشرًا على خلل يجب إصلاحه.
أما عندنا، فأحيانًا يبدو الانتظار وكأنه جزء من الهوية البصرية للمكان.
حتى إن بعض المغاربة أصبحوا يجهزون أنفسهم نفسيًا قبل دخول البنك:
قنينة ماء،
شاحن هاتف،
وصبر أيوب.
ورغم كل هذا، يبقى المواطن المغربي مدهشًا.
يتذمر…
يغضب…
يشتكي…
ثم يعود غدًا إلى نفس الطابور، بنفس الهدوء الحزين، وكأنه تعود على فكرة أن الوقت في هذا البلد ليس ملكًا للمواطن، بل مجرد تفصيل صغير يمكن إضاعته بسهولة بين شباك مغلق وموظف يقول لك بابتسامة باردة:
“سير جلس… غير حتى يجي الدور.”




