
ضربة قلم
في المغرب، يبدو أن الأبناك اكتشفت أخيرا، وصفة سحرية لا تُدرّس في كليات الاقتصاد، ولا تُشرح في كتب الإدارة، ولا حتى في دورات “التنمية البشرية”. وصفة بسيطة جدا: كل سنة تعلن عن أرباح أكبر من السنة التي قبلها، وكل سنة يُطلب من المستخدم أن يبتسم أكثر، ويروج أكثر، ويحقق أهدافا أكبر… أما راتبه وامتيازاته، فتُترك لمواجهة التضخم، وكأنها في مباراة غير متكافئة مع الأسعار.
من يدخل اليوم إلى وكالة بنكية، قد يعتقد أن المستخدم يجلس في مكتب مريح، يحتسي قهوته وينتظر الزبائن. لكن الحقيقة أن كثيرا من العاملين، يعيشون سباقا يوميا مع الأرقام والمؤشرات والأهداف التجارية. فالمستخدم لم يعد مجرد مستخدم بنك، بل أصبح في الوقت نفسه مستشارا ماليا، ومسوقا، وبائع تأمينات، ومروج قروض، وخبير بطاقات بنكية، ومطالبا بإقناع الزبون بدفع واجب كل ما يمكن المتاجرة فيه.
وفي نهاية الشهر، لا يُسأل: هل خدمت المواطنين جيدا؟ بل يُسأل أحيانا: كم بعت؟ وكم أقنعت؟ وكم حققت من الأهداف؟
أما إذا لم تتحقق الأرقام المطلوبة، فقد يشعر، وكأنه المسؤول الوحيد عن الاقتصاد الوطني، وعن تراجع الاستثمار، وربما حتى عن تأخر الأمطار!
المفارقة التي تثير الابتسام المر هي أن الأبناك تعلن عن أرباح بالمليارات، وتواصل التوسع، وتفتتح وكالات جديدة، حتى أصبح المرء أحيانا، يجد في شارع واحد عددا من الوكالات البنكية، يكاد ينافس عدد المقاهي أو محلات الحليب.
فتتساءل باستغراب: هل عدد الزبائن تضاعف إلى هذا الحد؟ أم أن كل بنك يريد أن يضع رايته في كل زاوية، حتى لو كانت الوكالة المقابلة لا تبعد سوى عشرات الأمتار؟
أحيانا يخيل إليك أن الأبناك، تخوض سباقا عنوانه: “لا تترك شارعا إلا وازرع فيه وكالة.”
والغريب أن العالم كله، يتحدث عن الرقمنة والخدمات الإلكترونية، وعن تقليص الحاجة إلى التنقل نحو الوكالات، بينما عندنا ما زالت الوكالات، تظهر هنا وهناك، وكأنها مشاريع إسكان اجتماعي!
لكن خلف هذه الواجهات الزجاجية الأنيقة، يوجد رجال ونساء يحملون عبئا يوميا كبيرا. يستقبلون عشرات الزبائن، ويتحملون غضب هذا، واستفسارات ذاك، وأعطال الأنظمة المعلوماتية، وضغط الإدارة، وفي النهاية يطالبون بالمزيد من الإنتاجية، لأن الأرباح يجب أن ترتفع باستمرار… فالمليارات لا يكفيها أن تبقى مليارات، بل يجب أن تصبح أكثر.
والسؤال الذي يفرض نفسه بكل بساطة: إذا كانت المؤسسة تحقق أرباحا قياسية، فلماذا يشعر كثير من العاملين، بأن نصيبهم من هذا النجاح، لا يعكس حجم الجهد الذي يبذلونه؟
فالنجاح الحقيقي لأي مؤسسة، لا يقاس فقط بما يدخل إلى خزائنها، بل أيضا بما يعود على الذين يصنعون هذا النجاح كل صباح.
ومن حق أي مؤسسة أن تبحث عن الربح، فهذا هو منطق الاستثمار. لكن من حق المستخدم أيضا، أن يشعر بأن جهده مقدر، وأن راتبه يحافظ على كرامته، وأن امتيازاته لا تتبخر مع كل موجة غلاء جديدة.
الاقتصاد الحقيقي لا تصنعه الجداول المحاسبية وحدها، ولا الأرباح القياسية التي تتباهى بها المؤسسات، بل يصنعه المستخدم، من أصغر رتبة إلى أعلى مسؤول، حين يشعر بأن جهده محل تقدير، وأن كرامته محفوظة، وأن المؤسسة التي يساهم في نجاحها لا تنظر إليه ،كرقم يُستبدل متى شاءت، بل كإنسان وشريك في صناعة تلك النجاحات.
لأن المؤسسة التي تحتفل كل سنة بأرباحها، وتنسى من ساهموا في تحقيقها، تشبه شخصا يقيم حفلة فاخرة… لكنه يطلب من الطباخ أن يكتفي برائحة الطعام.
وربما آن الأوان لطرح سؤال بسيط جدا، لكنه مزعج:
إذا كانت الأرباح تكبر عاما بعد عام… فلماذا يشعر كثير من المستخدمين، أن الابتسامة المطلوبة منهم في وجه الزبون، أصبحت هي الامتياز الوحيد الذي بقي لهم؟




