
م-ص
من حسن حظ الخبيثين، أن الخبث لا يكتب على جبينهم، وإلا لكانت الحياة أبسط كثيرًا، في التمييز بين الطيبين والمستغلين، لكنهم أسياد المكر والدهاء، يتخفون خلف وجوه مبتسمة، وملامح ودودة، بينما أفعالهم تكشف عمق الانتهازية والانحراف الأخلاقي. كثير منهم، لا يكتفون بمعرفة من أين تأكل الكتف، بل يمتلكون مهارة فطرية في التسلل إلى العقول، معرفة كيفية استغلال أضعف النقاط، وتحويل كل موقف لصالحهم، وكأنهم ينهشون المخ البشري، بدلاً من مجرد الاستفادة المادية أو الاجتماعية.
الأدهى من ذلك، هو الانتهازيون الذين يلجون المهن المختلفة من نوافذ غير مشروعة، مستغلين أي ثغرة أو فرصة، ليصبحوا فجأة جزءًا من دوائر النفوذ، ومع الوقت يمارسون ما يعرفه الجميع، من نفاق مبالغ فيه وتملق صريح. يبتسمون يمينًا ويسارًا، يوزعون التحايا واللطائف المصطنعة، فقط ليبدو أمام الآخرين أنهم ظرفاء، أو أنهم محبوبون، بينما الواقع يعكس خلاف ذلك تمامًا. ليس هذا فحسب، بل يصل الأمر بالبعض منهم، إلى تقبيل الأيدي في الكواليس، بطريقة مخزية، محاولة لتأكيد الولاء المزيف أو للحصول على دعم وهمي، وكأن المبادئ أو القيم الإنسانية، لا تعني شيئًا أمام المصالح الشخصية.
هؤلاء الأبواش لا يعرفون أي قيمة للولاء أو الصدق، ولا يعتادون على الامتنان، فكل علاقة إنسانية عندهم، مجرد أداة، وكل عمل نبيل مجرد وسيلة للوصول إلى هدف غير مشروع. يلعبون على صراع الآخرين، يحاربون من أجل إزاحة هذا أو ذاك، ليس بدافع قناعة أو عدالة، بل لتفريغ الطريق أمامهم، نحو منصب لا يستحقونه، منصب يشهد على مكائدهم وقدرتهم على استغلال ضعف الناس. كل موقف يمر، كل علاقة تبنى، كل ثقة تُمنح، يتحولون بها إلى سلعة، يبيعونها أو يستخدمونها بحسب ما يخدم مصالحهم، بلا أدنى إحساس بالوفاء أو النبل.
ولا يتوقف هؤلاء عند حدود المكر الفردي، بل يمتد تأثيرهم إلى المؤسسات والبيئة المحيطة، حيث يزرعون الشك والريبة بين الزملاء، ويهيئون الجو لمناورات جديدة، مستغلين غياب رقابة فعالة، أو صمت المجتمع أمام هذا الانحراف. هم كالطفيليات التي تتكاثر في الظل، لا تعرف سوى الانتهازية والدهاء، تستمد قوتها من ضعف من حولها، ومن غياب مبادئ الأخلاق في فضاءات السلطة أو النفوذ.
إن مواجهة هؤلاء الخبثاء، لا تكون بالكلام وحده، ولا بالاحتجاج العابر، بل باليقظة المستمرة، والفهم العميق لشبكات نفوذهم وطرق تحركهم، وبالعمل على كشف ممارساتهم للنور، وإعادة ترتيب القيم، في أي مجتمع احتكموه. فالأشخاص الذين يجهلون معنى الامتنان والعلاقات الإنسانية النبيلة، يجب أن يجدوا أنفسهم، عاجزين عن إتمام أي مكيدة، عاجزين عن خداع الناس، عاجزين عن تحويل كل إنجاز، إلى وسيلة لتقوية نفوذهم، عاجزين عن الاستمرار في دورة الانتهازية المفرغة.
في النهاية، هؤلاء الأبواش، مهما امتدت أذرعهم ومهما زينوا وجوههم، بالابتسامات، ستظل حقيقتهم مكشوفة، لكل من له عين وبصيرة، وستظل أفعالهم، شاهدة على أنهم لا يعرفون سوى النفاق والمكر، وأن أي منصب يحصلون عليه بلا استحقاق هو شهادة على فسادهم الداخلي، وعار عليهم وعلى كل من يسمح لهم، بالاستمرار في خيانتهم للقيم والأخلاق.
تنبيه: الصورة تعبيرية فقط ولا تمثل أشخاصًا أو أحداثًا حقيقية.




