الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الأسرة التعليمية في زمن الإذلال المؤسساتي

بين التصفيق الرسمي والاحتقار الميداني

ضربة قلم

في كل مناسبة رسمية، نرى المسؤولين يبتسمون أمام الكاميرات، يوزّعون كلمات الشكر، يطلقون وعود الدعم، ويؤكدون أن “الأستاذ هو عماد الأمة” و”صانع الأجيال”. التصفيق حار، الخطابات منمقة، وصور الحفل تُنشر في الصفحات الرسمية وكأننا في عصر ذهبي للتعليم.
لكن ما إن يُغلق الستار وتُطفأ أضواء المنصة، حتى يعود الأستاذ إلى واقع ميداني يقطر احتقارًا، وكأنه مجرّد رقم في لائحة موظفين، أو بند صغير في ميزانية تبحث الدولة عن طريقة لتقليصها.
احتفاليات فوق… ومعاناة تحت
المشهد يتكرر: في الأعلى، تقارير وردية عن “إصلاح المنظومة” و”الاستثمار في الموارد البشرية”. في الأسفل، معلم يشتري أدوات القسم من جيبه الخاص، ويعمل في فضاءات مكتظة، ببرامج تعليمية أثقل من قدرة التلميذ على الفهم، ومن قدرة الأستاذ على التحمل.
التناقض صار جزءًا من المشهد اليومي: كيف يمكن لمن يُقدَّم في الإعلام كـ”بطل تربوي” أن يُعامل ميدانيًا كـ”موظف زائد” أو “عائق بيروقراطي”؟

الأستاذ متعدد الاختصاصات… مجانًا وبلا تدريية؟

في استقبال الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، يجد الأستاذ نفسه أحيانًا أمام حالات معقدة تفوق حدود تخصصه التربوي. وعندما تُعجز المؤسسات عن تبني هذه الحالات المستعصية، يتساءل المرء ساخرًا: هل المطلوب من الأستاذ أن يتحول فجأة إلى طبيب، وممرض، وأخصائي نفسي… فوق كل مهامه التعليمية؟

الإذلال كسياسة غير معلنة
لنكن صرحاء، لم يعد الأمر مجرد إهمال عرضي، بل تحول إلى ما يشبه سياسة غير معلنة:
حرمان من التكوين المستمر الحقيقي.
تضييق إداري يصل حدّ العبث.
تحميل الأستاذ كل أخطاء المنظومة، من فشل المناهج إلى ضعف البنية التحتية.
بل والأدهى، حين يجرؤ الأستاذ على المطالبة بحقوقه، يصبح في نظر الخطاب الرسمي “معرقلًا للإصلاح” أو “طالب امتيازات”.
الإذلال في قاعة الدرس
الإذلال لا يأتي فقط من القرارات الفوقية، بل يتسلل أحيانًا من داخل المجتمع نفسه. فبعض الأسر صارت تنظر إلى الأستاذ كأنه “موظف عندهم” لأنهم يدفعون الضرائب، متناسين أن الضرائب تذهب أولًا في اتجاهات أخرى كثيرة، قبل أن تصل إلى راتب الأستاذ.
وحتى التلميذ، الذي يلتقط إشارات الاستخفاف من الإعلام أو من أسرته، يتعامل مع الأستاذ أحيانًا وكأنه مجرد موظف لتعبئة الوقت، لا لتعبئة العقول.
بين التصفيق والاحتقار
التناقض بين الصورة الرسمية والواقع الميداني ليس مجرد فجوة، بل هو هاوية. التصفيق في الأعلى لا يطعم جائعًا ولا يداوي الإحباط الذي يتراكم عامًا بعد عام. الاحتقار في الميدان يسرق من الأستاذ شيئًا أثمن من الراتب: احترامه لذاته، وشعوره بأن ما يفعله له قيمة حقيقية.
الخاتمة: إصلاح الصورة قبل إصلاح الخطاب
إذا أردنا تعليمًا ينهض، يجب أن نكسر هذه الحلقة المريضة:
احترام الأستاذ ليس هدية ولا منّة، بل شرط أساسي لأي إصلاح حقيقي.
الدعم لا يكون بخطاب في قاعة مكيفة، بل بقرارات على الأرض.
الصورة أمام الكاميرات يجب أن تعكس الحقيقة، لا أن تكون مسرحية موسمية.
فالأستاذ الذي يُذلّ اليوم، لن يزرع غدًا إلا بذور الإحباط… ومجتمع لا يحترم من يصنع أجياله، يوقّع بنفسه على عقد طويل الأمد مع التخلف.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.