الأضرحة… بين أسطورة الشفاء وتجارة الأوهام

ضربة قلم
في منتصف العقد الماضي، عاش المغرب لحظة فارقة حين قررت وزارة الصحة، تحت إشراف الوزير الحسين الوردي، إغلاق “بويا عمر” ونقل نزلائه إلى المستشفيات النفسية. كان المشهد أشبه بانتزاع صفحة من كتاب طويل عن علاقة المغاربة بالأضرحة، خاصة تلك التي ارتبط اسمها بقدرات خارقة و”بركات” قادرة على شفاء المرضى، بما في ذلك من يعانون اضطرابات عقلية حادة.
“بويا عمر” لم يكن مجرد مكان، بل كان رمزًا لثقافة اجتماعية ممتدة، حيث كانت عائلات بأكملها تصدّق – بل وتتمسك – بفكرة أن بركة الولي الصالح قادرة على إخراج الأرواح الشريرة أو إعادة التوازن للعقل المريض. على مدى عقود، ظل الضريح يستقبل مرضى جاؤوا من مختلف مناطق المغرب، مقيدين بالسلاسل أحيانًا، في انتظار معجزة قد لا تأتي أبدًا.
طقوس تعبر الزمن
قصة “بويا عمر” ليست استثناءً. في المغرب، تنتشر الأضرحة من الشمال إلى الجنوب، ولكل ضريح أسطورته الخاصة. بعضها يُروى فيه أن الولي المدفون يملك “خاتمًا سحريًا” أو قوة خارقة تلبي طلبات الزائرين. آخرون يربطون بين الضريح وقدرته على جلب الزواج، أو المال، أو الشفاء من العقم، أو حتى حماية الماشية من الأمراض.
هذه المعتقدات، الممزوجة بالموروث الشعبي والخيال الجماعي، لا تعيش فقط في أذهان البسطاء، بل تجد لها صدى حتى لدى فئات متعلمة. هنا يتداخل المعتقد الديني الشعبي مع العادات الاجتماعية، ليشكل نسيجًا من الطقوس الموروثة التي تتجاوز المنطق العلمي.
اقتصاد غير معلن
وراء هذا المشهد الروحي، هناك اقتصاد موازٍ يتحرك بهدوء. الأضرحة ليست مجرد مواقع دينية أو سياحية، بل هي أيضًا مصادر دخل للقائمين عليها، سواء من خلال النذور، أو بيع الأعشاب، أو رسوم “الزيارة” والطقوس. بعض هذه الأماكن تتحول إلى مراكز استقطاب لآلاف الزوار سنويًا، ما ينعش تجارة الفنادق، والنقل، والأسواق المحيطة.
القائمون على هذه الأضرحة يعرفون جيدًا كيف يوظفون الأسطورة لخدمة الرواج. تُحكى القصص عن “المعجزات” التي حدثت، وتُكرر الحكايات حتى تصبح حقائق غير قابلة للنقاش لدى المريدين.
بين الإيمان والعلم
تحرير معتقلي “بويا عمر” لم يكن مجرد عملية إدارية، بل كان أيضًا مواجهة بين منطق العلم ومنطق المعتقد الشعبي. الطب النفسي يقول إن علاج الاضطرابات العقلية يحتاج إلى بيئة طبية متخصصة، بينما الثقافة الشعبية ترى أن هناك ما هو أبعد من الطب: البركة، والروحانيات، والكرامات.
ومع ذلك، فإن غياب البنية التحتية الكافية للصحة النفسية في المغرب، وارتفاع تكاليف العلاج، وندرة الأطباء النفسيين، كلها عوامل تجعل اللجوء إلى الأضرحة خيارًا يبدو “أسهل” و”أقرب” للكثيرين، حتى لو كان ذلك على حساب حياة المريض وحقوقه.
الذاكرة الشعبية لا تُغلق بقرار وزاري
اليوم، وبعد سنوات من إغلاق “بويا عمر”، ما زالت بعض العائلات تبحث عن أضرحة أخرى، تعويضًا عن “المزار المفقود”. والقصص عن الخواتم السحرية، والماء المبارك، والأحجار العجيبة، لا تزال تتداول، وكأن الذاكرة الشعبية ترفض أن تُسدل الستار على هذه الحكايات.
إنها مواجهة مفتوحة بين إرث روحي عمره قرون، ورغبة في بناء مجتمع يستند إلى المعرفة والعلم. وبين الاثنين، يبقى الإنسان البسيط في المنتصف، يبحث عن الخلاص في أي يد تمتد نحوه، سواء كانت يد طبيب يحمل سماعة أو يد شيخ يحمل مسبحة.




