الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الأمير هشام بين حرية التعبير وحرمة الكرامة: حين يلتقي الحق بالقانون

ضربة قلم

في مساء أواخر الصيف، وبينما لا تزال حرارة شتنبر تسكن الأجواء، فاجأ الأمير هشام العلوي الرأي العام بقرار غير اعتيادي: اللجوء إلى القضاء. لم يكن الأمر إعلاناً عادياً، ولا هو من تلك البيانات الباردة التي تمر مرور الكرام، بل كان أشبه برسالة مفتوحة إلى المجتمع، مفادها أن الحرية لا تعني الانفلات، وأن الكرامة تظل خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه.

القصة بدأت مع شريط فيديو بثّه الناشط محمد رضا الطوجني على قناته في “يوتيوب” يوم 11 شتنبر 2025. مقطع لم يتجاوز دقائق معدودة، لكنه حمل من الكلمات ما يكفي لإشعال الجدل. كلمات اعتبرها الأمير جارحة، مسيئة، تمس اسمه واعتباره. وبين الحرية التي يطالب بها الجميع، والكرامة التي يطلبها كل إنسان، اختار الأمير أن يسلك مساراً ثالثاً: طريق القضاء.

في بيان مطوّل نشره على صفحته الرسمية في “فيسبوك”، خرج الأمير هشام عن صمته، مؤكداً أن قراره ليس بدافع الغضب العابر ولا الرغبة في إسكات صوت مخالف، بل باعتباره مواطناً قبل أي لقب آخر، يسعى لحماية حقوقه بما يكفله الدستور والقانون. البيان حمل نبرة هادئة، لكنها حازمة، حين أشار إلى أن الفيديو المذكور تضمّن “اتهامات وعبارات تمس الشرف والاعتبار”، وهي جملة ثقيلة الوطأة في لغة القانون.

ولم يتأخر الأمير في تحويل كلماته إلى فعل. فقد جرى التقدّم بشكاية رسمية باسمه لدى الجهات القضائية المختصة، معلناً بذلك انطلاق مسار قضائي ستكون له ارتدادات تتجاوز حدود الأشخاص، لتمس سؤالاً أعمق: إلى أي حد يمكن أن تمتد حرية التعبير في فضاء رقمي مفتوح على كل الأصوات؟

لكن الأمير لم يكتفِ بالتلويح بالحق الشخصي. في بيانه ذاته، حرص على تجديد إيمانه الراسخ بحرية الرأي والتعبير، واصفاً إياها بأنها “ركيزة لترسيخ قيم التعدد والانفتاح”. كلمات تعكس خلفيته الفكرية ورهانه الطويل على بناء مجتمع ديمقراطي. غير أنه، وبنبرة لا تخلو من العتاب، شدّد على أن الحرية لا تعني التشهير ولا التجريح، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون حقاً دستورياً.

لقد بدا بيانه وكأنه يضع إصبعه على معضلة عصرنا: في زمن المنصات المفتوحة، حيث يصبح الهاتف منبراً، والكاميرا أداة سلطة، كيف نوازن بين الحق في الكلام وواجب احترام الآخر؟ وكيف نمنع أن تتحوّل الحرية إلى سلاح يُشهر في وجه السمعة والكرامة؟

الأمير ختم بيانه برسالة مزدوجة. من جهة، ثمّن عالياً جهود نساء ورجال الصحافة الملتزمين بأخلاقيات المهنة وقيمها النبيلة، في تلميح واضح إلى أن المشكل ليس مع النقد، بل مع أسلوب بعض المنتسبين إلى عالم المحتوى الذين يتجاوزون النقد إلى القذف. ومن جهة أخرى، أرسل إشارة لا تخلو من رمزية: لا أحد، مهما كان اسمه أو وضعه، معصوم من مساءلة القانون، ولا أحد في المقابل فوق حماية القانون.

اليوم، بينما يبدأ المسار القضائي رحلته بين المكاتب والمحاكم، يبقى المشهد أكبر من نزاع شخصي. إنه امتحان صغير يعكس معركة كبرى يخوضها المجتمع المغربي والعالم بأسره: كيف نصون الحرية ونحمي الكرامة في زمن يتسابق فيه الكلام أسرع من البرق، وتترك الكلمة المكتوبة أو المصوّرة أثراً أعمق من الحجر؟

قد يختلف الناس حول تفاصيل القضية، بين من يرى فيها دفاعاً مشروعاً عن الشرف، ومن يعتبرها تهديداً لحرية النقد. لكن الجميع يتفق أن القصة تكشف عن مفترق طرق حاسم: إما أن نرفع منسوب المسؤولية مع منسوب الحرية، أو نستيقظ ذات صباح لنجد أن الفضاء العام تحوّل إلى غابة، ينهش فيها الكلام سمعة الناس بلا رادع.

وفي النهاية، يظل السؤال معلقاً: هل سيكون هذا الملف مجرد قضية عابرة تُطوى مع أوراق المحاكم، أم منعطفاً حقيقياً يعيد رسم حدود العلاقة بين الحرية والكرامة في مغرب اليوم؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.