الإعدام لقاتل زوجين بالدريوش: حين يعلو صوت العدالة في جريمة هزت الضمير المغربي

ضربة قلم
في مشهد قضائي غلبت عليه الصرامة والرمزية، أصدرت محكمة الاستئناف بالناظور يوم الاثنين 19 ماي حكماً قضائيًا غير مسبوق في تاريخها الحديث، تمثل في إدانة المتهم الرئيسي في جريمة قتل مزدوجة وقعت بجماعة بن الطيب بإقليم الدريوش، بعقوبة الإعدام. هذا الحكم الذي جاء بعد إعادة النظر في العقوبة الصادرة عن المحكمة الابتدائية، والتي قضت سابقًا بالسجن المؤبد، يشكل تحولًا لافتًا في طريقة تعاطي القضاء المحلي مع الجرائم البالغة الخطورة، ويعكس توجهاً نحو تشديد العقوبات في الجرائم التي تهز الضمير الجمعي، وتترك أثرًا صادمًا في وجدان الرأي العام.
القضية تعود إلى حادثة دامية تداخلت فيها المأساة الإنسانية بالجريمة الجنائية في أقسى صورها. فالمتهم، وهو رجل خمسيني ينحدر من دوار قريب بجماعة قاسيطة، أقدم بدم بارد على إنهاء حياة زوجين ينتميان إلى الجالية المغربية المقيمة بالخارج، كانا قد قدما إلى المنطقة في زيارة عائلية قصيرة. تفاصيل الجريمة التي كشف عنها التحقيق رسمت صورة مروعة: اعتداء همجي على الزوجة داخل المنزل، باستعمال عمود خشبي، أصابها على مستوى الرأس وأدخلها في حالة حرجة، أعقبته مواجهة دامية مع الزوج الذي حاول إنقاذ شريكة حياته، فكان مصيره القتل هو الآخر على يد الجاني. الأكثر إثارة للرعب هو ما أعقب الجريمة، إذ عمد المتهم إلى إخفاء الجثتين داخل بئر مهجور ببيته، محاولًا طمس معالم الفعل الوحشي الذي ارتكبه، لكنه أخفق في ذلك.
التحقيق انطلق بعدما لاحظ أقارب الضحيتين انقطاع الاتصال بهما، فتم إشعار السلطات، ليتحوّل القلق إلى حالة استنفار أمني، أفضت إلى كشف وقائع هذه الجريمة المرعبة. وبعد سلسلة من الأبحاث والتحقيقات، اعترف المتهم بتفاصيل ما وقع، وسرد بدقة أفعاله، في مشهد أثار الدهشة والاستنكار في آن. هذه الاعترافات، مدعومة بالأدلة الجنائية، لم تترك مجالًا للشك لدى هيئة الحكم، التي قررت، برئاسة القاضي محمد الحدوتي، أن القضية لا تستحق فقط أشد العقوبات، بل تمثل نموذجًا للجريمة التي تصرخ بضرورة تفعيل أقصى درجات الردع القانوني.
قرار المحكمة بإعادة تكييف العقوبة من السجن المؤبد إلى الإعدام لم يكن قرارًا تقنيًا فحسب، بل كان ذا بعد قانوني وأخلاقي عميق. لقد تم تبرير القرار بخطورة الأفعال المرتكبة، والسبق الإجرامي للجاني، والطريقة البشعة التي أُزهقت بها أرواح الضحيتين، وما ترتب عن الجريمة من أثر نفسي مدمر في نفوس ذوي الضحايا، خصوصًا أن الأمر يتعلق بعائلة مغربية عادت من ديار المهجر لتجد نفسها ضحية عنف منزلي لا مبرر له.
هذا الحكم، رغم قوته القانونية، أعاد إلى الواجهة النقاش المجتمعي والقانوني حول عقوبة الإعدام في المغرب. فالمملكة، وإن كانت لم تلغِ رسميًا هذه العقوبة من منظومتها القانونية، إلا أنها عمليًا مجمدة منذ سنوات، في إطار ما يشبه التوافق غير المعلن بين توجه حقوقي ينادي بإلغائها نهائيًا، وتوجه تقليدي يرى في الإعدام ضمانة للردع وحماية للسلم المجتمعي في قضايا ذات طابع استثنائي. وبهذا المعنى، فإن صدور حكم بالإعدام في هذا السياق يضع السلطة القضائية أمام مفترق طرق: فإما أن تُفعل العقوبة تنفيذًا، وإما أن تظل قراراتها حبيسة الطابع الرمزي.
الشق الإعلامي من المحاكمة لم يكن أقل أهمية. فقد تابعت وسائل الإعلام المحلية والجهوية أطوار الجلسات، مسلطة الضوء على تفاصيل الجريمة وسياقاتها، كما حضر عدد من نشطاء حقوق الإنسان الذين لم يُخفوا توجسهم من عودة الإعدام إلى واجهة التطبيق، رغم تفهم بعضهم لخصوصية القضية وخطورتها. في المقابل، برزت أصوات مجتمعية تنادي بتطبيق الإعدام الفعلي في الجرائم التي تستهدف الأطفال والنساء، أو التي تنطوي على سبق الإصرار والتعذيب، معتبرين أن التراخي في هذا الباب قد يشجع على تكرار هذه الأفعال الإجرامية.
من جهة أخرى، أثارت الجريمة أسئلة مقلقة عن العنف الكامن في بعض المناطق المهمشة، حيث تتفاقم مشاعر الحقد والاحتقان الاجتماعي في ظل غياب التأطير والتنشئة السليمة، ما يجعل بعض الأفراد عرضة للتحول إلى قنابل موقوتة في لحظة معينة. وتبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة شاملة لا تكتفي بالردع القضائي بعد وقوع الجريمة، بل تتوجه نحو التربية، والتنمية، ومراقبة الصحة النفسية، حتى لا تتحول الأحياء الهادئة إلى مسارح للدم.
إن حكم الإعدام الصادر عن محكمة الاستئناف بالناظور لم يكن مجرد تتويج لمسار قضائي صارم، بل هو رسالة مزدوجة: رسالة إلى المجتمع بأن العدالة لا تتساهل مع القتل العمد، ورسالة إلى السلطة التشريعية والتنفيذية بأن الوقت قد حان لحسم الموقف من عقوبة الإعدام، إما بتفعيلها الكامل وفقًا لشروط دقيقة، أو بإلغائها نهائيًا، بما ينسجم مع الالتزامات الحقوقية للمملكة. وفي جميع الحالات، تبقى أرواح الضحايا تطالب بالإنصاف، وتبقى العدالة عنوانًا لا يقبل التردد أو المجاملة في مثل هذه القضايا التي تمس صميم الشعور بالأمان.




