الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الابتزاز الجنسي في الجامعات والإدارات: جرح صامت خلف الجدران

ضربة قلم

حين نفتح ملف الابتزاز الجنسي داخل الجامعات والإدارات، فإننا نلج منطقة محرّمة طالما جرى التواطؤ على الصمت حولها. هي قضايا لا تظهر إلا لمامًا، وغالبًا ما تُقدَّم للعموم بقدر من التحفظ المبالغ فيه، أو تُختزل في سطور مقتضبة على شكل “حادثة معزولة”. غير أن الحقيقة، كما يرويها الواقع، أعمق وأقسى بكثير.
في الجامعات، حيث يُفترض أن يكون فضاء العلم والتحرر الفكري، يتحول بعض المدرسين إلى متربصين بضحاياهم، عارضين على الطالبات معادلة فاسدة: إما الخضوع لنزواتهم، أو مواجهة السقوط الدراسي وحرمان من النجاح المستحق. كثير من الطالبات يخترن الصمت، خوفًا من العار، من الانتقام، أو من فقدان سنوات من الجهد. وهكذا يستمر الجرح في الاتساع، وتبقى الجامعة، بكل ما ترمز إليه من إشعاع علمي، مسرحًا صامتًا لجريمة مسكوت عنها.
أما في الإدارات، فالصورة لا تختلف كثيرًا. موظفات شابات يجدن أنفسهن أمام رؤساء يستغلون مواقعهم الوظيفية، ملوّحين بترقية أو عقد عمل أو تمديد فترة تدريب. هنا أيضًا يسود الصمت، لأن ضحية الابتزاز تخشى أن تُصنَّف كمشاركة في “علاقة مشبوهة”، أو أن تفقد مصدر رزقها، أو أن تُنبذ من محيطها الاجتماعي. ولعل الأكثر إيلامًا أن بعض من يجرؤن على التبليغ يجدن أنفسهن في مواجهة آلة بيروقراطية لا ترحم، تبدأ من الشك في أقوالهن، وتنتهي أحيانًا بتحويلهن من متضررات إلى متهمات.
ما يجعل هذه الظاهرة أكثر خطورة هو أنها لا تُعالج كقضية بنيوية مرتبطة بالفساد والسلطة المطلقة، بل يتم التعامل معها كاستثناء فردي. بينما هي في جوهرها تعكس هشاشة الإطار القانوني لحماية النساء في فضاءات يفترض أن تكون آمنة. صحيح أن هناك نصوصًا تُدين التحرش والابتزاز، لكن التنفيذ متعثر، والمساطر القضائية مرهقة، والشهود نادرون، ما يجعل الحقيقة تتبخر بين الجدران.
تُطمر القضايا خوفًا من الفضيحة، خوفًا من أن تهتز صورة الجامعة أو سمعة الإدارة. غير أن هذا الطمر لا يخفي سوى الغبار فوق بركان يغلي. فالمجتمع الذي يتسامح مع الابتزاز الجنسي، أو يتغاضى عنه بدعوى “السكوت أهون من الفضيحة”، يرسخ ضمنيًا ثقافة الإفلات من العقاب. وهذا ما يفتح الباب أمام استمرار الانتهاكات، وتوريثها كجزء من الممارسات الخفية.
الابتزاز الجنسي ليس مجرد انحراف فردي، بل هو وجه آخر لغياب الشفافية وضعف الرقابة وتداخل السلطة بالهيمنة الذكورية. وهو أيضًا انعكاس لفجوة عميقة بين النصوص القانونية التي تبدو متقدمة أحيانًا، والواقع الذي يفرض صمتًا قاسيًا على الضحايا.
إن كسر دائرة هذا الصمت يقتضي ما هو أكثر من سن قوانين. يقتضي شجاعة مجتمعية لاعتبار الابتزاز الجنسي جريمة تمس بالكرامة الإنسانية قبل أي شيء آخر، وأن تُعامل الضحايا كضحايا، لا كعناصر مُدانة. كما يتطلب إرادة سياسية وإدارية حقيقية لإرساء آليات وقاية، مثل خلايا الاستماع المستقلة، وحماية المبلغات، وربط المسؤولية بالمحاسبة بدل الاكتفاء بالشعارات.
في النهاية، يظل السؤال المطروح: إلى متى سيظل هذا الجرح الصامت مختبئًا خلف الجدران، بلا مساءلة، بلا محاسبة، وبلا اعتراف؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.