الاتحاد الاشتراكي بين الوعود الوهمية والمؤتمرات المسرحية: مناضلون في مقاعد الانتظار

ضربة قلم
في عرض جديد من عروض “المؤتمر الوطني” التي تحولت في بلادنا إلى مواسم سنوية لا تقل فرجوية عن مهرجانات الرقص الشعبي، خرج محمد بوبكري، المعروف بانتمائه لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بتدوينة حارقة عنوانها لا يُخطئ الهدف: “المؤتمر 11، وجهة نظر: حملة الوعود الكاذبة”. ولأننا في بلد تقف فيه الحقيقة في الصف مع البطالة، فقد انتشرت التدوينة بسرعة، مثل نار في هشيم عرس بلا موسيقى، لما حملته من رسائل مشفّرة، بل مُلغّمة، تصيب ولا تُسمي، وتنتقد دون أن تستدعي المحامي.
بوبكري، وهو من الذين لازالوا يحملون في دواخلهم شظايا زمن الاتحاديين الكبار، قرر أن يضع أصبعه على الجرح، رغم أن الجرح اتسع حتى ابتلع الحزب نفسه. الرجل لم يذكر اسم إدريس لشكر، ولكن تحدث عن “الكاذب الأول”، وعن وعود توزّع كما يُوزّع النعناع في المقاهي، وعن 140 عضواً من المجلس الوطني وُعدوا بعضوية المكتب السياسي، في سابقة فريدة لا نعرف هل نضعها في خانة العبث، أم في خانة الاقتصاد الموازي للمناصب.
ولنكن منصفين، فإن بوبكري لا يفعل سوى دق ناقوس الخطر، وهو يرى الحزب الذي انتمى إليه ذات يوم إيمانًا بمبادئ العدالة الاجتماعية والتقدم، يتحول اليوم، في نظره، إلى ما يشبه شركة متعثرة في طريقها إلى التصفية، تُدبَّرُ باجتماعات مغلقة ووصفات عتيقة و”صفقات” تحت الطاولة السياسية.
أن تَعِدَ 140 شخصًا بعضوية المكتب السياسي، فذلك ليس توزيعًا عادلاً للديمقراطية الداخلية، بل أشبه بمسابقة يانصيب: الكل يربح والكل يخسر في النهاية. ومن عجائب اللعبة الحزبية الحالية أن الوعود لا تحتاج إلى سند قانوني أو برنامج سياسي، بل فقط إلى ابتسامة مصطنعة وشبكة علاقات، وربما بعض المصافحة الطويلة في الزوايا المعتمة للمقر المركزي.
بوبكري، ورغم كل ما قيل عنه أو عليه، لا يمكن اليوم إلا أن يُسجَّل له أنه من القلائل الذين تجرأوا على تعرية الأعطاب الداخلية لحزب ظل لعقود يشكل أملاً لجيل كامل. وما قاله لا يُعدو أن يكون قراءة من الداخل، لا من باب المزايدة ولا الانتقام، بل من باب “اللهم إنّي بلّغت”.
أما القيادة الحالية، التي ترى في المؤتمر الحادي عشر “فرصة للتجديد”، فيبدو أنها قررت تجديد كل شيء… ما عدا الوجوه، والخطاب، وآليات العمل. “التجديد” في هذه النسخة هو، ببساطة، إعادة نفس الشريط القديم مع قليل من الفوتوشوب، مع أن الجميع يعرف أن الشريط تمزق، والصوت مشوش، والجمهور غادر القاعة منذ زمن.
المفارقة أن الحزب الذي طالما صدّع آذاننا بشعارات من قبيل “النضال من أجل الكرامة”، و”ربط المسؤولية بالمحاسبة”، أصبح اليوم يعيش صراعاته الداخلية بمنطق “وزّع وعوداً، تملك المقعد”، وكأننا أمام مزاد علني، لا مؤتمر وطني. وإذا كانت الأحزاب تُقاس اليوم بقدرتها على تقديم البدائل، فماذا بقي من الاتحاد حين لا يجد منتقدوه سوى الكذب والعبث موضوعًا للنقاش؟
في النهاية، بوبكري لم يُقدّم حلاً سحريًا، ولم يدّعِ النبوة السياسية، لكنه على الأقل أضاء شمعة في نفق مُعتم. ومشكلتنا اليوم ليست في من يفضح الخلل، بل في من لا يراه أصلًا، أو من تعوّد العيش داخله حتى صار جزءًا من الجدران.
وإلى أن يُعقد المؤتمر الحادي عشر، وتُفصَّل خريطة المكتب السياسي على مقاس الوعود، سيبقى المواطن العادي – المتفرج الدائم على عبث النخبة – يتساءل بسذاجة مؤلمة: ألم يكن هذا الحزب يومًا رمزًا من رموز الوعي السياسي في البلاد؟ فكيف تحوّل إلى مسرحية تُعرض بدون جمهور؟




