الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةاقتصاد

الاتحاد الاشتراكي.. حين يتحول “الامتناع” إلى سندويتش سياسي يُؤكل على عجل قبل موسم الانتخابات

ضربة قلم

ليس غريباً أن تختلف الأحزاب السياسية في مواقفها، فذلك جزء من اللعبة الديمقراطية، لكن الغريب حقاً أن يتحول الموقف السياسي إلى مادة مطاطية، قابلة للتأوي،ل بحسب اتجاه الرياح ومواعيد الاستحقاقات الانتخابية.

ما قام به الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في ملف تأميم “سامير” وتسقيف أسعار المحروقات، لا يحتاج إلى كثير من الشرح، بل يحتاج إلى درس قاسٍ في الأخلاق السياسية.

فحين يتعلق الأمر بملفين يرتبطان مباشرة بالقدرة الشرائية للمغاربة والأمن الطاقي للبلاد، لا مكان لأنصاف المواقف ولا للوقوف في المنطقة الرمادية. هناك لحظات تاريخية، لا يُطلب فيها من الأحزاب أن تمارس لعبة التوازنات، بل أن تحدد بوضوح: هل هي مع المواطن أم مع الحسابات الضيقة؟

القول إن الامتناع عن التصويت هو “احتجاج سياسي” قد يبدو خطاباً أنيقاً على الورق، لكنه في الواقع، لا يعدو أن يكون كلاماً ينبغي أن يُؤكل داخل سندويتش، لأن المواطن البسيط لا يشتري الوقود بالشعارات، ولا يملأ قفة أسرته بالبلاغات التفسيرية.

لقد اختار الحزب أن يجلس فوق السور، فلا هو اصطف مع الأحزاب التي كشفت عن وجهها الحقيقي وصوتت ضد المقترحين بشكل صريح، ولا هو امتلك الجرأة السياسية للانحياز الواضح، إلى جانب ما يعتبره كثيرون، مطلباً شعبياً يهم حماية القدرة الشرائية للمواطنين.

والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان الحزب مقتنعاً فعلاً بوجاهة المقترحين، فلماذا لم يصوت لصالحهما؟ وإذا كان يعتبرهما غير مناسبين، فلماذا لم يصوت ضدهما؟

أما الاحتمال الثالث، فهو الأكثر إثارة للانتباه، ويتمثل في أن الحسابات الانتخابية المبكرة، أصبحت تتحكم في البوصلة السياسية، وأن هاجس المشاركة في الحكومة المقبلة، بات يتقدم على الدفاع الصريح عن مصالح المواطنين.

ولعل هذا ما يفسر ذلك الموقف الهجين، الذي لا يغضب الأغلبية الحاكمة بالكامل، ولا يقطع الخيوط مع الشارع الغاضب من ارتفاع الأسعار.

الحقيقة المؤلمة أن بعض الأحزاب، كلما اقترب موعد الانتخابات، سارعت إلى إزالة مساحيق التجميل، التي أخفت بها وجهها الحقيقي لسنوات، بينما اختار الاتحاد الاشتراكي أن يحتفظ بمساحيق احتياطية في جيبه، خوفاً من أن يُغلق في وجهه باب المشاركة في الحكومة المقبلة.

لكن السياسة ليست تمريناً دائماً على تجنب الخسائر، وليست فناً لإرضاء الجميع في الوقت نفسه.

ففي الديمقراطيات الحقيقية، هناك مواقف تُحسب للأحزاب، ومواقف تُحسب عليها. والتاريخ السياسي، لا يتذكر كثيراً من امتنعوا عن اتخاذ القرار، بل يتذكر الذين امتلكوا الشجاعة لتحمل تبعات اختياراتهم.

أما تبرير الامتناع، بكون النتيجة كانت محسومة سلفاً، فهو منطق يطرح سؤالاً أكبر: إذا كان الحسم العددي يفرغ التصويت من معناه، فما جدوى الحضور أصلاً؟ ولماذا يطالب السياسيون المواطنين بالمشاركة في الانتخابات، إذا كانوا هم أنفسهم يعتبرون أن موازين القوى تجعل بعض المواقف بلا أثر؟

في النهاية، المواطن المغربي، لم يعد يبحث عن أحزاب بارعة في هندسة التبريرات، بل عن قوى سياسية، تمتلك الجرأة على قول كلمة “نعم” عندما يتعلق الأمر بمصلحته، أو “لا” عندما يستدعي الأمر ذلك، أما الوقوف في منتصف الطريق، فلا يصنع معارضة قوية، ولا يبني ثقة مفقودة، ولا يقنع شعباً، أنهكته الأسعار والوعود المؤجلة.

لقد أصبح المغاربة يدركون جيداً أن أخطر ما يهدد العمل السياسي، ليس الاختلاف، بل الضبابية، لأن هذه الأخيرة، كثيراً ما تكون اسماً آخر للخوف على المصالح أكثر، من الخوف على مصلحة الشعب.

وقد يكون أخطر ما في هذا المشهد أن موسم الانتخابات، لم يبدأ بعد رسمياً، ومع ذلك بدأت بعض الأحزاب، تتصرف بعقلية من يحجز مقعده داخل الحكومة المقبلة، قبل أن يحجز مكانه داخل قلوب المواطنين. أما الشعب، فقد سئم منذ زمن طويل من سياسة “الامتناع عن الحسم”، لأنه ببساطة لا يستطيع أن يمتنع عن أداء فواتيره، ولا أن يمتنع عن شراء المحروقات، ولا أن يمتنع عن مواجهة غلاء المعيشة كل يوم. أما الأحزاب، فيبدو أن بعضها، ما زال يعتقد أن الامتناع عن التصويت، يمكن أن يكون برنامجاً سياسياً قائماً بذاته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.