
ضربة قلم
من طبيعة البشر أن يختلفوا، فالاختلاف في الرأي ليس عيبًا ولا خطيئة تستوجب الغفران، بل هو دليل حياة وحركة في المجتمع. لو اتفق الناس جميعًا على نفس الفكرة، لتحول العالم إلى نسخة باهتة من مسرحية مملة لا جمهور لها. فالاختلاف هو الذي يخلق التوازن، ويفتح النقاش، ويدفع بالعقول إلى التفكير أبعد من حدود المألوف.
لكن المأساة تبدأ حين يتحول هذا الاختلاف الطبيعي إلى معركة شخصية، لا تستند إلى الحجة ولا إلى المنطق، بل إلى قاموس من الشتائم والاتهامات الجاهزة: “أنت متخلف”، “أنت رجعي”، “أنت ضد الحداثة”، وكأن الآخر مطالب أن يصفق دائمًا للتيار الأقوى، أو ينسجم قسرًا مع الموضة الفكرية السائدة، وإلا تم إخراجه من “جنة التنوير” المزعومة.
التاريخ يعطينا أمثلة كثيرة. في السياسة مثلًا، لم يكن الاختلاف مجرّد نقاش برلماني هادئ، بل أحيانًا كان يتحول إلى حرب خفية، سلاحها الأول هو الإشاعة. كم من سياسي أو مثقف اتُّهم ظلمًا بأنه “مخبر” أو “عميل” فقط لأنه لم يرقَ لخصومه، أو لأنه تجرأ على قول ما لم يعجب أصحاب النفوذ الشوفينيين. يعرفون في قرارة أنفسهم أن الاتهام باطل، لكنهم يلقونه في السوق العام ليتلقفه الناس، ولأن العامة تميل إلى القصص المثيرة، تنتشر التهمة أسرع من الحقيقة.
هذه الأساليب تعود إلى ذهنية “الحرب الباردة” التي تقوم على قاعدة: إذا لم أستطع أن أُسكتك بالحجة، فسأُسكتك بالتشويه. في الحروب، الخدعة مقبولة ومشروعة، بل قد تُعتبر براعة عسكرية. أما في السياسة والعمل المدني، فهي انحدار أخلاقي لا يقل خطورة عن الفساد المالي أو استغلال النفوذ. فالمجتمعات لا تُبنى بالكذب والتلفيق، بل بالحوار والشفافية.
المشكل أن الكثيرين اليوم لا يطيقون سماع المختلف. بعض من يدّعون “الانفتاح” و”التقدمية” يطالبون بحرية الرأي، لكن بشرط واحد: أن يكون رأي الآخرين نسخة طبق الأصل من رأيهم! فإن خرجت عن النص، أصبحت في نظرهم “رجعيًا”، “ظلاميًا”، أو أي وصف من القاموس الجاهز. وهنا تظهر المفارقة الساخرة: من يرفعون شعار الحرية، هم أنفسهم أول من يمارس الوصاية الفكرية.
إن الأخطر من كل ذلك، أن هذا السلوك لا يقتصر على السياسة أو النقاش الفكري، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية: في العمل، في العائلة، وفي المجتمع. قد تختلف مع أحدهم حول ذوق موسيقي، أو أسلوب حياة، أو حتى حول وصفة طعام، فتُرمى فجأة في خانة “الجاهلين” أو “المتخلفين”. وكأن الإنسان فقد حقه الطبيعي في أن يكون له ذوق شخصي ورأي مستقل.
الحقيقة أن الاختلاف هو ثروة، وليس نقمة. أن ترى ما لا أرى، وأن أرى ما لا ترى، هذا ما يخلق فسيفساء جميلة، لا لوحة باهتة بلون واحد. لكن حتى تصبح هذه الفسيفساء مفيدة، يجب أن يكون الحوار محكومًا بالأخلاق: احترام الرأي الآخر، البحث عن نقاط التلاقي قبل تضخيم نقاط الاختلاف، وتجنّب الأسلوب الرخيص الذي يحوّل النقاش إلى تبادل للاتهامات.
في النهاية، يمكننا أن نختلف حول كل شيء: الدين، السياسة، الفن، الرياضة، بل حتى حول لون السماء إذا شئنا. لكن الخط الأحمر الذي لا ينبغي تجاوزه، هو التشويه والافتراء. لأن من يربح نقاشًا بالكذب، لا يربح في الحقيقة سوى فضيحة مؤجلة.
ولعل أصدق ما يُختتم به هذا الحديث: الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، لكن تحويل الاختلاف إلى تهمة يُفسد كل شيء، ويجعلنا نعيش في غابة، لا في مجتمع متحضر.




