الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الاعتقال الاحتياطي تحت المجهر: هل آن أوان تحرير الأبرياء من قبضة “الاحتياط”؟

ضربة قلم

يبدو أن رئيس النيابة العامة، هشام البلاوي، قرر أن يبعث برسالة هادئة لكنها محملة بالدلالات، إلى كل من اعتاد أن يجعل من الاعتقال الاحتياطي خيارًا تلقائيًا لا يستدعي كثير تفكير ولا قليل تأمل. فالمذكرة الصادرة حديثًا ليست مجرد تذكير بروتوكولي بروح القانون، بل هي نداء إصلاحي يُحاول أن يضع حدًّا لحالة من التسيّب القضائي المقنّع، حيث تحوّل الاعتقال الاحتياطي، للأسف، من إجراء استثنائي إلى ممارسة شبه يومية، تسبق أحيانًا حتى التفكير في بدائل قانونية أخرى.

المطالبة بـ”ترشيد الاعتقال الاحتياطي” ليست مصطلحًا لغويًّا يُرمى في المراسلات لزينة الخطاب، بل اعتراف ضمني بأننا أمام أزمة مزمنة في المنهج القضائي، أزمة يمكن تلخيصها في قناعة راسخة لدى بعض الفاعلين في العدالة بأن السجن هو الأصل والحرية هي الاستثناء، وأن الشك، بدل أن يُفسَّر لصالح المتهم، يُستخدم مبررًا لزجه خلف القضبان إلى حين إشعار آخر.

وفي هذا السياق، تدعو الدورية إلى اعتماد بدائل قانونية وتفعيل العدالة التصالحية، في خطوة تبدو أقرب إلى التمنيات منها إلى الأوامر الصارمة. فالجميع يعرف أن القوانين البديلة موجودة منذ سنوات، وأن منظومة العدالة التصالحية ليست اكتشافًا جديدًا، ومع ذلك ظلت حبرًا على ورق في كثير من المحاكم، بفعل عقلية متحجرة لا ترى في الإجراءات البديلة سوى ترف قانوني لا يصلح في زمن “التخوف من الانفلات”.

لكن اللافت في هذه الدورية هو إقرارها الصريح بأن فترات الصيف تعرف ارتفاعًا في معدلات الاعتقال الاحتياطي، بسبب تزايد الجريمة والعطلة القضائية. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يعقل أن تؤثر الإجازات السنوية للقضاة في مصير أشخاص قد يكونون أبرياء؟ وهل يُعقل أن يعلَّق مصير حرية المواطن على جدول عطلة موظفي العدالة؟ وكأننا أمام مرفق عمومي موسمي، يشتغل في الشتاء ويتعطل في الحرّ!

ثم يأتي التشديد على “استحضار الحس الإنساني” في التعامل مع ملفات المعتقلين، وكأننا أمام توصية أخلاقية لفريق طبي أكثر من كونها توجيهًا قانونيًّا لسلك قضائي. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أهمية هذا التنبيه، في بيئة اعتاد فيها البعض أن يتعامل مع ملفات الناس ببرودة إدارية وجمود في الرؤية، كأن الملف مجرد رقم، والمتهم مجرد توقيع على ورقة.

وإذا كانت الدورية قد استشهدت بتحسن مؤشرات الأداء بفضل تنسيق اللجان المحلية والجهوية، فإن الواقع يؤكد أن التنسيق وحده لا يكفي ما لم تُرافقه إرادة حقيقية لكسر العقلية المحافظة التي تؤمن بأن الاعتقال ضمانة أولى لإثبات الجدية. فحتى لو تراجعت نسب الاعتقال إلى أقل من 30% في بعض الفترات، فالسؤال يبقى: هل هو تحسن عابر بفعل الضغط، أم نتيجة قناعة راسخة بأن العدالة لا تقاس بعدد المعتقلين، بل بعدد من تم احترام قرينة براءتهم؟

وفي النهاية، لا بد من الاعتراف أن هذه الدورية، وإن جاءت بلغة توجيهية ناعمة، فإنها تحمل في طيّاتها تقريعًا ضمنيًا لممارسات لا تليق بدولة تدّعي صيانة الحقوق والحريات. إنها محاولة للحد من عقلية “الاحتياط الأمني على حساب الحرية”، وربما خطوة في درب طويل نحو قضاء لا يعتقل إلا من يستحق، ولا يسجن إلا إذا فشلت كل البدائل. لكن النجاح هنا لا يُقاس بعدد المذكرات بل بعدد من تمت استعادة حريتهم قبل أن يُبتّ في ذنبهم.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.