الاقتصاد اليومي الخفي… حين تتبخر الجيوب دون أن نشعر

ضربة قلم
في الحياة اليومية، لا يحتاج الفقر إلى أزمة كبرى ليطرق الباب، أحيانًا يكفيه أن يتسلّل عبر عشرات النوافذ الصغيرة المفتوحة على مصاريف غير مرئية. في المغرب، هناك اقتصاد موازٍ أو “خفي” ينهش القدرة الشرائية للمواطنين دون أن يُحدث ضجيجًا، لكنه مع مرور الوقت يترك جيوبهم خاوية، ويخلق شعورًا دائمًا بأن الراتب يتبخر قبل منتصف الشهر.
1. الرسوم الصغيرة… القطرات التي تصنع فيضانًا
فواتير الماء والكهرباء: لا يقتصر الأمر على الاستهلاك الفعلي، بل هناك رسوم ثابتة تحت مسميات متعددة: “أشغال الشبكة”، “المساهمة في التطهير”، “الرسوم الحضرية”… هذه الإضافات قد تعادل أو تفوق أحيانًا قيمة الاستهلاك نفسه، خاصة في الفترات التي يحرص فيها المواطن على الترشيد.
التحويلات البنكية: حين يحوّل شخص مبلغًا صغيرًا، يقتطع البنك رسوماً نسبتها أحيانًا تتجاوز 5% من قيمة المبلغ. أما السحب من الصراف التابع لبنك آخر، فله قصة خاصة: عمولة مضاعفة، وفي بعض الحالات “خصم” مفاجئ بعد أيام.
الضرائب الخفية: على كل عملية شراء، حتى البسيطة، يدفع المواطن ضريبة القيمة المضافة، لكن الفرق أن الغني والفقير يدفعان نفس النسبة، ما يجعل العبء النسبي أكبر على ذوي الدخل المحدود.
2. الزيادة الخفية في الأسعار
ارتفاع الأسعار ليس دائمًا صريحًا، وأحيانًا يكون زيادة ذكية:
المنتج نفسه بنفس السعر، لكن الكمية أو الوزن أقل. علبة القهوة التي كانت 250 غرام تصبح 200 غرام، لكن التصميم لم يتغير.
تخفيض الجودة أو المكونات مع الحفاظ على السعر، ما يجبر المستهلك على شراء كمية أكبر للحصول على النتيجة نفسها.
رسوم خدمة “إجبارية” في بعض المقاهي والمطاعم، تُضاف إلى الفاتورة وكأنها قدر محتوم، حتى لو لم يطلب الزبون خدمة إضافية.
3. اقتصاد “النوار” أو الظل
“النوار” هو ذلك الاقتصاد الذي يعيش خارج القانون الضريبي والمحاسبي، وهو ظاهرة معروفة في المغرب:
الصفقات العقارية: يصر بعض البائعين على أن جزءًا من ثمن البيع يُدفع “بالنوار” لتقليص الضرائب، ما يضيع على خزينة الدولة مليارات، ويخلق سوقًا موازية لا تعترف بالقوانين.
الأجور غير المصرح بها: بعض المقاولات تصرح بجزء من راتب العامل، وتدفع الباقي خارج الحسابات الرسمية، فيخسر العامل حقوقه في التقاعد والتأمين الاجتماعي.
التجارة النقدية: محلات وورشات تعمل نقدًا فقط، بلا فواتير، بلا محاسبة، وبلا ضرائب، بينما الملتزم بالقانون يجد نفسه يدفع مضاعفًا لتعويض “المتهربين”.
4. أثر ذلك على العدالة الضريبية
النتيجة واضحة:
المواطن الملتزم بالقانون يتحمل العبء الأكبر، لأنه يدفع ضرائب مباشرة وغير مباشرة، بينما آخرون يجنون الأرباح في الظل بلا مساهمة في المصلحة العامة.
خزينة الدولة تخسر موارد ضخمة، فتتجه لسد الفجوة عبر زيادة الضرائب على المواد الأساسية والخدمات، ما يعمق معاناة الفقراء والطبقة المتوسطة.
انعدام الثقة: حين يرى المواطن أن هناك من يعيش في رفاهية خارج القانون، تتراجع رغبته في الالتزام، ويصبح التهرب هو “القاعدة” في نظره.
5. الخلاصة
الاقتصاد الخفي لا يقتصر على السوق السوداء أو المعاملات الضريبية المشبوهة، بل يمتد إلى تفاصيل حياة المواطن اليومية. هي عملية استنزاف متواصلة، لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُحس في الجيب وفي النفسية، وتغذي إحساسًا عامًا بأن العمل الجاد والالتزام لم يعودا يضمنان حياة كريمة.




