الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسة

الانتخابات أم إعادة تدوير الفشل؟ عندما يعود أصحاب الوعود منتهية الصلاحية!

عبد العزيز البيضاوي

مع اقتراب كل استحقاق تشريعي جديد، يتكرر المشهد نفسه، وكأن الزمن في بلادنا، أصيب بعطب تقني يمنعه من التقدم إلى الأمام. نفس الوجوه، نفس الأسماء، نفس الخطب، ونفس الوعود التي استهلكها المواطن حتى حفظها عن ظهر قلب. بل إن بعض المرشحين، أصبحوا جزءا من ديكور الانتخابات، أكثر مما هم جزء من العمل السياسي، يظهرون كل خمس سنوات كما تظهر بعض المسلسلات الرمضانية التي يعرف المشاهد نهايتها قبل أن تبدأ.

المفارقة العجيبة أن عددا من هؤلاء، لم يحققوا خلال فترات انتدابهم السابقة ما يشفع لهم بالعودة إلى الساحة السياسية. بعضهم اختفى تماما بعد إعلان النتائج، وكأن المهمة الوحيدة التي أوكلت إليه كانت التقاط صورة النصر ليلة الانتخابات. وآخرون لم يسمع المواطن لهم صوتا داخل البرلمان، إلا عندما تعلق الأمر بالتعويضات والامتيازات والسفريات واللجان التي لا تنتهي.

ومع ذلك، يعودون بكل ثقة، بل أحيانا بثقة أكبر من السابق، وكأن الفشل أصبح شهادة خبرة إضافية، تؤهل صاحبها للترشح مرة أخرى.

في عالم المنطق، يفترض أن يخضع المسؤول لتقييم أدائه بعد انتهاء مهمته. المدير يُحاسب على نتائج المؤسسة، والموظف يُقيم وفق مردوديته، والمقاول يُراقب بناء على جودة إنجازه. لكن حين يتعلق الأمر ببعض السياسيين، يبدو أن قواعد المحاسبة تتبخر فجأة، ويصبح الماضي مجرد تفصيل صغير لا يستحق الوقوف عنده.

السؤال الذي يطرحه كثير من المواطنين، ليس من يحق له الترشح، فذلك حق يكفله القانون، وإنما: هل توجد آلية حقيقية لتقييم حصيلة المرشح السابق، قبل السماح له بالعودة إلى طلب ثقة الناخبين؟

هل هناك جهة تتساءل مثلا:

ماذا قدم هذا البرلماني خلال مدة انتدابه؟

كم مرة دافع عن قضايا دائرته الانتخابية؟

ما هي المبادرات التشريعية التي ساهم فيها؟

هل كان حاضرا أم غائبا؟

هل التزم بوعوده أم اكتفى بالشعارات؟

أم أن الأمر يتحول في النهاية، إلى سباق مالي لا أكثر، يفوز فيه صاحب القدرة الأكبر على الإنفاق والحشد واستعراض النفوذ؟

الكثير من المواطنين يعتقدون أن المال أصبح اللاعب الأقوى في بعض المحطات الانتخابية. فحين تتراكم الثروات بشكل هائل لدى بعض المرشحين، يصبح الوصول إلى البرلمان بالنسبة إليهم أشبه باستثمار طويل الأمد، أكثر منه خدمة عمومية. وكأن المقعد النيابي تحول عند البعض إلى “بار أمان” يوفر الحصانة المعنوية والنفوذ والعلاقات والمكانة الاجتماعية.

المشكلة لا تكمن فقط في وجود المال، بل في الاعتقاد السائد لدى البعض بأن المال قادر على شراء كل شيء: الأصوات، والصمت، والتأثير، وحتى الذاكرة الجماعية للناخبين.

لكن الأخطر من كل ذلك، أن بعض الوجوه التي أخفقت في تدبير الشأن العام، تعود وهي مقتنعة بأن المواطن نسي كل شيء. يراهنون على ضعف الذاكرة الانتخابية، وعلى الإحباط العام، وعلى عزوف الكفاءات الحقيقية عن دخول المعترك السياسي.

وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:

هل ينبغي أن يكون سجل المرشح السابق جزءا من ملف ترشحه؟

بمعنى آخر، لماذا لا يرفق كل مرشح سبق له تحمل مسؤولية انتخابية بتقرير مفصل عن حصيلته السابقة؟ تقرير يوضح حضوره، ومشاركته، ومواقفه، ونتائج عمله.

أليس من حق المواطن أن يطلع على كشف حساب سياسي، قبل أن يمنح صوته من جديد؟

صحيح أن الديمقراطية لا ينبغي أن تتحول إلى ناد مغلق للنخب الأكاديمية، لكن من حق المواطنين أيضا أن يتساءلوا: كيف يمكن لشخص لا يمتلك الحد الأدنى من الثقافة القانونية أو الاقتصادية أو السياسية، أن يساهم في صناعة التشريع أو مراقبة السياسات العمومية؟

إن البرلمانات الحديثة، أصبحت تناقش قضايا معقدة تتعلق بالاقتصاد الرقمي، والطاقات المتجددة، والأمن السيبراني، والاستثمارات الدولية، والذكاء الاصطناعي، والمالية العمومية. وهي ملفات تحتاج إلى فهم واستيعاب، لا إلى مجرد رفع اليد عند التصويت.

ويبقى الجانب الأكثر حساسية هو السوابق القضائية والأخلاقية.

فالمواطن يتساءل بشكل مشروع:

هل يكفي ألا يكون الشخص مدانا بحكم يمنعه قانونا من الترشح؟

أم ينبغي أيضا أن تؤخذ بعين الاعتبار سمعته العامة وسلوكه السابق ومدى احترامه للقانون وأخلاقيات الحياة العامة؟

فالسياسة في جوهرها ليست مجرد حق قانوني، بل مسؤولية أخلاقية كذلك.

إن الديمقراطية لا تصبح قوية فقط، عندما تسمح للجميع بالترشح، بل عندما تمنح المواطنين الأدوات الكافية لمعرفة من يستحق فعلا ثقتهم.

المشكلة الحقيقية ليست في أن الوجوه نفسها تعود باستمرار، بل في أن آليات التقييم والمحاسبة لا تحظى بنفس القوة التي تحظى بها الحملات الانتخابية.

ولهذا يظل السؤال معلقا فوق رؤوس الجميع:

هل الانتخابات مناسبة لاختيار الأفضل لخدمة المواطنين؟

أم أنها في بعض الأحيان، تتحول إلى عملية إعادة تدوير سياسية، تعود فيها الوجوه نفسها إلى الواجهة، مهما كانت حصيلة الماضي، ومهما كانت خيبة الأمل التي تركتها وراءها؟

ذلك هو السؤال الذي ينتظر المواطن جوابا عمليا عنه، لا مجرد وعود جديدة تُضاف إلى أرشيف الوعود القديمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.