الانتخابات تقترب… والبراءة المسبقة تبدأ قبل فتح صناديق الاقتراع

ضربة قلم
كلما اقترب موعد الانتخابات، تسارعت وتيرة الخطاب، لا من حيث العمق ولا من حيث الجرأة، بل من حيث التبرؤ.
تبرؤ جماعي، استباقي، شبه هستيري، من كل ما يمكن أن يُحسب على السياسيين لاحقًا:
من الفشل،
من الوعود التي لم تُنجز،
من الأسماء التي احترقت،
ومن التاريخ القريب الذي صار فجأة “سوء فهم جماعي”.
نحن لا نعيش لحظة محاسبة، بل لحظة غسل أيدٍ جماعي، كأن الجميع كان مجرد متفرج، وكأن القرار، كان يتخذ في كوكب آخر.
لا لغة خشب… لأن الخشب نفسه تعب
لغة الخشب، لم تعد تنطلي حتى على أصحابها.
تلك الجُمل المستهلكة:
“نحن قريبون من هموم المواطن”،
“سنضع الإنسان، في صلب السياسات العمومية”،
“نؤمن بالإصلاح من الداخل”…
كلها صارت مثل أثاث قديم في بيت مهجور: موجود، لكنه لا يُستعمل، ولا أحد يصدّق أنه مريح.
الناخب اليوم لا يطلب خطابات، بل يطلب تفسيرًا:
-
من حكم فعلًا؟
-
من قرّر؟
-
من صمت؟
-
ومن استفاد؟
لكن بدل الإجابة، تبدأ لعبة أخرى:
لعبة التبرؤ.
التبرؤ: الرياضة الوطنية الجديدة
قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع، تُفتح صناديق أخرى:
-
صندوق “ما كنتش أنا”
-
صندوق “المرحلة كانت صعبة”
-
صندوق “التحالفات فرضت علينا”
-
وصندوق “النية كانت حسنة لكن…”
كل حزب يتبرأ من فترته، ومن كل من قد يسيء إليه،
وكل مسؤول يتبرأ من قراراته،
وكل منتخب يتبرأ من الجماعة التي انتخبته.
النتيجة؟
مشهد عبثي:
الجميع يريد أصوات الناس، لكن لا أحد يريد الاعتراف، بأثر أفعاله على هؤلاء الناس.
التبرؤ من الأشخاص… لا من المنهج
الأخطر ليس التبرؤ من أشخاص أساؤوا أو فشلوا،
بل حصر الفشل في أسماء بدل ربطه بمنهج كامل.
يقال لنا:
“المشكل كان في فلان، وقد أُبعد”.
لكن:
-
هل تغيّرت طريقة اتخاذ القرار؟
-
هل تغيّر منطق توزيع المسؤوليات؟
-
هل تغيّر أسلوب تدبير المال العام؟
-
هل تغيّرت العلاقة مع المواطن؟
غالبًا: لا.
يُستبدل الاسم،
وتبقى العقلية.
يُغيَّر الوجه،
وتبقى الممارسة.
وهنا يصبح التبرؤ مجرد مناورة انتخابية لا أكثر.
حين يصبح الماضي عبئًا على من صنعه
المفارقة أن من حكموا بالأمس،
يتحدثون اليوم بلهجة المعارض النقي:
-
ينتقدون الغلاء الذي صادقوا عليه.
-
يشتكون من هشاشة الخدمات التي أشرفوا عليها.
-
ينددون بتراجع الثقة وهم من استنزفوها.
كأن السلطة كانت حلمًا سيئًا،
استيقظوا منه فجأة،
ويريدون من الناخب أن يصدّق أنهم ضحاياه.
الناخب لم يعد ساذجًا… لكنه متعب
صحيح، المواطن لم يعد يصدق بسهولة.
لكنه في المقابل:
-
مرهق
-
فاقد للشهية السياسية
-
غير مقتنع أن صوته سيغير المنهج لا الأشخاص فقط
وهنا تكمن الخطورة:
حين يتحول التبرؤ الجماعي إلى ضباب،
يضيع فيه الفاعل الحقيقي،
وتضيع معه فكرة المحاسبة.
الانتخابات ليست فرصة للنسيان، بل للاعتراف
الانتخابات القادمة، إن أُريد لها أن تكون ذات معنى،
يجب أن تقوم على:
-
الاعتراف لا التبرؤ
-
التوضيح لا التمويه
-
الجرأة لا التجميل
أن يقول الفاعل السياسي:
“نعم، أخطأنا هنا”
“نعم، فشلنا هناك”
“نعم، لم نكن في مستوى الثقة”
هذا وحده ما يعيد شيئًا من المصداقية.
أما الهروب الجماعي من الماضي،
فلن ينتج إلا مستقبلًا هشًا،
وسلطة بلا شرعية أخلاقية،
ومشاركة انتخابية باردة.
في الخلاصة: من يسيء اليوم… سيُستعمل غدًا ككبش فداء
التبرؤ المسبق من “كل من قد يسيء”
لا يحمي الأحزاب،
بل يكشف هشاشتها.
لأن من يُساء اليوم،
غالبًا كان بالأمس مُصفقًا له،
ومُقدمًا كمنقذ،
ومُدافعًا عنه بشراسة.
المشكل ليس في الأشخاص وحدهم،
بل في النظام الذي يصنعهم، ثم يتبرأ منهم عند أول اختبار.
والسؤال الحقيقي الذي يجب أن يُطرح مع اقتراب الانتخابات ليس:
من سنصوّت له؟
بل:
هل نملك الشجاعة لنطالب باعتراف قبل أن نمنح أصواتنا؟
إلى ذلك الحين،
ستظل الحملات الانتخابية مهرجانًا للتبرؤ،
والصناديق تمتلئ،
لكن الثقة… تظل فارغة.




