الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

البارميطة: خمرة بالوهم، وفاتورة بالدموع

ضربة قلم

في ليالي المدن، حين يختلط دخان السجائر برائحة العرق الممزوجة بالبارفان الرخيص، وحين يُطفأ النور في الأزقة ليُشعل خلف الأبواب الموصدة، تولد شخصيات غريبة لا نعرف إن كانت جزءًا من الواقع أم من مسرحية عبثية طويلة.
هناك، خلف الكونطوار الخشبي المتهالك، تجلس امرأة تعرف أكثر مما يعرفه علماء النفس، وتتحكم بزبائنها أفضل مما يتحكمون في أنفسهم.
هي لا تحتاج إلى شهادة جامعية ولا إلى خطب طويلة؛ يكفيها أن تمسح شعرها ببطء، أن تبتسم بزاوية فم محسوبة، أن تضع يدها على الكأس بخفة، ثم تقول: “غادي ما نشرب والو بلا بيك”… وهنا تبدأ المأساة.

هذه ليست نادلة عادية، ولا ساقية للنبيذ. هذه هي البارميطة، ملكة الوهم وصانعة الفواتير الباهظة. امرأة لا تقدّم خمراً، بل تسوّق شعوراً بالرفقة، تبيع دفئاً مصطنعاً، وتغلف العزلة البشرية في زجاجة “شامبانيا” فارغة.

اللعبة القديمة المتجددة

البارميطة ليست حديثة الولادة؛ هي ابنة قديمة للليل، ظهرت مع ظهور الحانات نفسها.
فلسفتها بسيطة: الزبون يدخل مثقلاً بالوحدة، تائهاً بين مشاكل العمل والفقر والزواج الفاشل. يأتي ليُغرق همومه في كأس، لكن الكأس وحده لا يكفي. يحتاج إلى عين تبتسم له، إلى من يتظاهر بالإنصات. وهنا تدخل البارميطة المسرح.

تطلب كأساً على حسابه. لا كأساً عادياً، بل مشروباً وهمياً يوصف بأنه غالٍ، ثمناً يوازي نصف أجرته اليومية. الحقيقة؟ غالباً ما يكون الكأس مجرد ماء غازي أو عصير رخيص، لا يُسكر ولا يُضحك. لكنها ترفعه كأنها تتذوق خمرة الملوك.
الزبون يدفع، وهي ترتشف، وصاحب البار يحصي الدراهم. لعبة ثلاثية:

  • الزبون = الضحية الراضية.

  • البارميطة = الوسيط الذكي.

  • صاحب البار = المستفيد الصامت.

المشموتون: جمهور أوفياء للوهم

من أغرب ما في الظاهرة أن الزبون يعرف أنه يُخدع. يعرف أن البارميطة لا تشرب الخمرة التي يدفع ثمنها. يعرف أن ابتسامتها ليست حباً، وأن ضحكتها ليست صدقاً، وأن يدها التي لامست كتفه ستلمس بعده كتف عشرة آخرين.
ومع ذلك، يبتسم، ويدفع، ويشعر بلذة غريبة في أن يكون “مشموتاً”.
وكأن البارميطة تعطيه درساً في أن الحياة كلها عملية نصب كبيرة، فلماذا يستثني نفسه؟

النصابة في السوق… والبارميطة في البار

البارميطة ليست سوى نسخة ليلية من “النصابة” النهارية.

  • النصابة في السوق تبيع لك الخضر الرديئة على أنها طازجة.

  • البارميطة في الحانة تبيع لك زجاجة الوهم على أنها حبّ مؤقت.

كلاهما يلعب على الوتر نفسه: الحاجة الإنسانية، الأولى حاجة المعدة، والثانية حاجة القلب (أو بالأحرى حاجة الوهم بالعاطفة).

ما وراء الستار

ظاهرة البارميطة ليست مجرد قصة ضحك وسخرية. هي أيضاً صورة لواقع اجتماعي قاسٍ:

  • فتيات خرجن من قسوة الفقر ليجدن في “البَار” وسيلة للعيش.

  • زبائن غارقون في الوحدة يبحثون عن متنفس، ولو كان كاذباً.

  • وأصحاب حانات يرسخون هذا النظام لأنه يجلب أرباحاً بلا حدود.

إنها مثلث استغلال كامل: اقتصاد مبني على المشاعر المزيفة، حيث تتحول الابتسامة إلى سلعة، والكأس إلى فخ، والوحدة إلى سوق.

بين النكتة والمرارة

المغاربة يعرفون كيف يحولون كل مأساة إلى نكتة.

  • واحد يقول: “خلصت مع بارميطة شامبانيا ب 1200 درهم، وهي كانت كتشرب سيدّا” (ماء غازي).

  • آخر يضحك: “بارميطة وحدة قادرة تخرج لك البريم ديالك كامل فليلة وحدة”.

لكن خلف الضحك، هناك شعور بالمرارة: كيف تتحول هشاشة الإنسان إلى تجارة؟ وكيف يصبح الحنين إلى حضن أو كلمة طيبة سبباً في استنزاف الجيوب؟

الخلاصة

البارميطة ليست مجرد امرأة وراء كونطوار؛ إنها مرآة لمجتمع يعاني الوحدة والفقر والبحث عن الاعتراف.
الزبون يعرف أنه يشتري وهماً، لكنها أوهام ضرورية بالنسبة له، مثلما يحتاج المريض إلى حبة دواء وهمية (placebo) ليشعر بالتحسن.
الفرق الوحيد أن ثمن الوهم في البار باهظ جداً، وقد يساوي راتب شهر كامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.