الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

البحث الوطني الثالث حول الإعاقة: أسئلة المنهج والتوقيت والمقاربة التشاركية في قلب النقاش العمومي

أحمد حوات

رئيس المرصد المغربي للتربية الدامجة

في سياق الإعلان الذي تم يوم الأربعاء 21 يناير 2026 عن برمجة إنجاز البحث الوطني الثالث حول الإعاقة من طرف وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، وكتابة الدولة المكلفة بالإدماج الاجتماعي، يبرز هذا الحدث كموعد وطني مهم يفترض أن يشكل محطة مفصلية في مسار السياسات العمومية المرتبطة بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة. غير أن أهمية هذا الورش، وحساسيته، وتعقيد رهاناته، تجعل منه موضوعًا يستدعي نقاشًا عموميًا عميقًا، ومقاربة تشاركية حقيقية، تتجاوز منطق الإعلان الإداري إلى منطق البناء الجماعي للمعرفة والقرار.

وانطلاقًا من قناعته الراسخة بأن أي بحث وطني ذي بعد استراتيجي لا يمكن أن ينجح أو يحقق أهدافه دون إشراك فعلي للفاعلين المعنيين، يتساءل المرصد المغربي للتربية الدامجة، وبقدر كبير من المسؤولية، عن أسباب غياب نقاش علمي منهجي، تنظيمي وتشاركي، مع جمعيات المجتمع المدني، والخبراء، والباحثين المتخصصين في قضايا الإعاقة، خلال مرحلتي التفكير والإعداد لهذا البحث. فالمقاربة التشاركية، لا ينبغي أن تبقى مجرد شعار، بل يجب أن تترجم إلى آليات تشاور حقيقية، تُثمن التجارب الميدانية، وتستحضر التراكمات المعرفية، التي راكمها الفاعلون المدنيون والأكاديميون عبر سنوات من العمل.

ومن بين الملاحظات الجوهرية التي يثيرها المرصد، مسألة التأخر الكبير في إنجاز البحث الوطني الثالث، حول الإعاقة. فقد كان من المنتظر، بحسب المنطق المؤسساتي والتاريخي، أن تتم برمجته سنة 2024، تزامنًا مع الإحصاء العام للسكان والسكنى، كما كان الحال بالنسبة للبحثين الوطنيين السابقين سنتي 2004 و2014. هذا التأخر، الذي يمتد الآن إلى سنة 2026، يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجدوى الزمنية لنتائج البحث، خاصة وأن هذه السنة تتزامن مع شروع مختلف القطاعات الحكومية في تقييم حصيلة الولاية الحكومية الممتدة لخمس سنوات. وهو ما قد يُفقد المعطيات المنتظرة فعاليتها في توجيه السياسات العمومية المستقبلية، ويجعلها أقرب إلى أرقام مؤجلة عن واقع تجاوزها الزمن.

وفي السياق نفسه، يتساءل المرصد عن مآل مخطط العمل الاستدراكي للنهوض بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة 2026-2028، الذي سبق أن أعلن عنه كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي سنة 2025. فهذا المخطط، حسب ما هو متداول، يستند إلى بيانات إحصائية، غير محينة حول الإعاقة، ما يطرح إشكالية حقيقية، تتعلق بمدى نجاعة أي سياسة عمومية تُبنى على معطيات لم تعد تعكس الواقع الراهن. إذ لا يمكن الحديث، عن تخطيط استدراكي أو إصلاحي دون توفر قاعدة بيانات دقيقة، حديثة، وموثوقة.

ويُحذر المرصد المغربي للتربية الدامجة، في هذا الإطار، من مخاطر التسرع في إنجاز البحث الوطني الثالث والإعلان عن نتائجه دون استيفاء شروط الجودة العلمية والصرامة المنهجية. فالتجارب الدولية المقارنة تُظهر أن البحوث المسحية الكبرى، خصوصًا تلك المتعلقة بالإعاقة، تتطلب مدة زمنية تتراوح بين 8 و10 أشهر على الأقل، خاصة عندما يتعلق الأمر بعينات واسعة، يتراوح حجمها ما بين 20 و40 ألف شخص. وأي اختزال زمني غير مبرر، قد ينعكس سلبًا على موثوقية النتائج، ودقتها، وقابليتها للاستثمار في السياسات العمومية.

وفي جانب المنهجية، يُجدد المرصد تشبثه الصريح بـ بروتوكول منهج مجموعة واشنطن، ولا سيما اعتماد قائمة الأسئلة المفصلة والكاملة، التي تضمن مقاربة شمولية لمختلف أنواع الإعاقات، بما في ذلك الاضطرابات النمائية، التي غالبًا ما يتم تهميشها أو التعامل معها بسطحية في الدراسات الإحصائية. فالتنوع الحقيقي للإعاقة لا يمكن اختزاله في مؤشرات محدودة، بل يتطلب أدوات قياس دقيقة تعكس التعقيد والتداخل بين العوامل الصحية، والاجتماعية، والبيئية.

كما يعتبر المرصد أن تواجد المندوبية السامية للتخطيط داخل هذا الورش يشكل ضمانة أساسية لموثوقية المعلومة الإحصائية، بالنظر إلى خبرتها المؤسسية وتاريخها في إنتاج المعطيات الوطنية. وفي المقابل، يطالب المرصد بتحديد واضح وصريح لدور المرصد الوطني للتنمية البشرية، خاصة في ما يتعلق بإعداد معطيات ترابية دقيقة، حول الفقر المتعدد الأبعاد والإعاقة، مع التزامه بتتبع دينامية الفقر خلال السنوات المقبلة، بما يسمح بفهم أعمق للعلاقة البنيوية بين الهشاشة الاجتماعية ووضعية الإعاقة.

ومن زاوية الشراكات الدولية، يطرح المرصد تساؤلات مشروعة حول مقترح دعم الشركاء الدوليين لهذا البحث الوطني الثالث. وكان من الأجدر، حسب تقديره، إشراك منظمة اليونيسيف، بالنظر إلى تجربتها الدولية الرائدة في مجال الطفولة المبكرة، ومساهمتها المعترف بها في تطوير مجزوءة الأسئلة المتعلقة بالأطفال في وضعية إعاقة، والتي أوصى بها قسم الإحصاءات والإعاقة التابع للأمم المتحدة. كما يثير المرصد تساؤلات حول وجاهة تواجد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي كشريك دولي، ومدى القيمة المضافة التي يمكن أن يقدمها في هذا السياق بالذات.

وأخيرًا، يؤكد المرصد المغربي للتربية الدامجة على ضرورة تغيير زاوية النظر إلى الإعاقة، عبر اعتبارها تنوعًا بشريًا طبيعيًا، ووضعية تفاعلية ناتجة عن تداخل الفرد مع محيطه، وليس مجرد خلل أو عبء اجتماعي. فالدول المتقدمة تسجل نسبًا مرتفعة نسبيًا للإعاقة، تتراوح عمومًا ما بين 10 و15 في المائة، وهو معطى يعكس تطور أدوات التشخيص، وارتفاع الوعي، وتحسن أنظمة الرصد. وبالتالي، فإن أي نسب إحصائية يتم التوصل إليها، مهما بلغت، لا ينبغي أن تُقرأ بعيون سياسية متوجسة، أو تُوظف في اتجاهات تبريرية أو تقليصية، بل يجب أن تشكل منطلقًا لتعزيز الحقوق، وتطوير السياسات، وترسيخ العدالة الاجتماعية.

إن البحث الوطني الثالث حول الإعاقة، ليس مجرد تمرين إحصائي عابر، بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة السياسات العمومية، على الإنصات، والتشاور، والبناء على المعرفة العلمية، خدمة لكرامة الإنسان وحقوقه، دون استثناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.