البراءة تحت المجهر: حين تُحاكم النية قبل الجريمة

ضربة قلم
في قاعةٍ تملأها الفواصل الزمنية بين مرافعةٍ وأخرى، وقف نقيب المحامين بالدار البيضاء، ذ محمد حيسي، وقالها بثقة المحترف الذي يعرف قواعد اللعبة: “التمس البراءة لموكلي، لفائدة اليقين وليس لفائدة الشك.” بدا وكأنه يطلب من المحكمة شيئًا أغرب من البراءة نفسها… أن تُصدّق.
كأن المحكمة كانت في حاجة إلى دروس خصوصية في النية الجنائية، أو إلى من يشرح لها الفرق بين استرجاع الديون و”محاولة الاختلاس”… فالنقيب أمسك الملف، قلب صفحاته، أشار إلى التقارير، ثم نظر إلى السقف كما يفعل من يفكر بصوت خافت، قبل أن يُعلن ببساطة أن لا جريمة هنا، لا أثر لمال اختُلس، ولا حتى نية جنائية ضائعة في الأرشيف.
في العادة، حين تسمع كلمة “اختلاس”، تتوقع أن يكون هناك مال مفقود، شيكات مخفية، خيوط متشابكة، حسابات غامضة في جزر بعيدة. لكن في هذه القضية، حتى تهمة الاختلاس بدت مرتبكة، وكأنها حضرت الجلسة وهي لا تعرف بالضبط لماذا استُدعيت. وكأن التهم نفسها تبحث عن محامٍ يدافع عنها.
أما تقرير المفتشية العامة، فقد جرى تقديمه كوثيقة تحتاج إلى “إعادة تصحيح”، تمامًا كما تحتاج ورقة تلميذ في التعليم العمومي إلى إعادة نظر بعد أن يتم التصحيح الجماعي. النقيب قالها ببرود قانوني مدروس: التقرير ناقص، لم يُخطر المعني بالأمر، لم يُطلب منه حتى ملف الشركة. أي أن المساءلة انطلقت قبل أن تصل الأوراق.
كل شيء بدا معكوسًا، كما لو أن القاعة انقلبت على رأسها: الشاكي أصبح مشبوهاً، والتقارير الرسمية مشكوكًا فيها، واليقين الذي يُفترض أن يقود إلى الحقيقة، أصبح بحاجة إلى من يدافع عنه. بل حتى القانون الجنائي استُحضر، لا لإثبات الجريمة، بل لنفيها بندًا بندًا، كما لو أن المتهم كان يطالع مدونة القانون في أوقات فراغه ويتجنب بدقة ارتكاب أي فعل يُفهم منه أنه جنحة.
الأكثر إثارة في المرافعة لم يكن ما قيل، بل ما لم يُقال. لم يُطرح السؤال الجوهري: من يستفيد من إدانة شخص لم تثبت عليه الجريمة؟ أو بشكل أدق: من يستفيد من وجود ملف مفتوح بلا ملامح واضحة سوى عنوان عريض اسمه “المال العام”؟
وفي النهاية، بدا أن القضية لا تعاني فقط من نقص في الأدلة، بل من فائض في الإحالة. كثير من الشك، قليل من الدقة، وتقارير تفترض الجريمة أولًا ثم تبحث عن المتهم لاحقًا. هي محاكمة، نعم، لكنها أيضًا استعراض قديم لعطبٍ إداري لا يُعالج بالتهم، بل بالمراجعة.
والعدالة، على طريقتها، صامتة. تستمع. تدون. ثم تغلق الجلسة… إلى حين.




