البرادعة… حي صفيحي أنجب نخبة وواجه التهميش: حين يتحول الحلم بالسكن اللائق إلى معركة بقاء

ضربة قلم
في قلب مدينة المحمدية، يقف حي البرادعة كأقدم حي صفيحي في المدينة، ليس فقط بوصفه تجمعًا سكنيًا هامشيًا، بل كمساحة اجتماعية، شكّلت جزءًا من ذاكرة المدينة ومسارها. على مدى عقود، ظل البرادعة رمزًا للمعاندة والصمود، فمنازله الطينية والصفيحية، لم تُنجب فقط الفقر والهشاشة، بل أنتجت محامين، أساتذة جامعيين، وأطر في مؤسسات عمومية وخاصة؛ وكأن هذا الحي كان مصنعًا للنجاح رغم كل الظروف التي كانت تعمل ضده.
غير أن هذا التاريخ الاجتماعي المشرق، يكاد يختفي خلف واقع مرير: حي كامل لا يزال ينتظر حلاً عادلاً، بعد سنوات طويلة من الوعود والملفات العالقة والرهان الدائم على “التدبير المرحلي”، بدل الإرادة الحقيقية لإنهاء مأساة السكن غير اللائق.
أمل قديم يتآكل
لأعوام طويلة، عاشت ساكنة البرادعة على أمل أن يتم تخصيص بقع أرضية لإعادة الإيواء بعين المكان. لم يكن هذا المطلب ترفًا أو تصعيدًا، بل كان من أبسط الحقوق التي وعدت بها السلطات مرارًا.
كان سكان الحي يعقدون اجتماعات، يشكلون لجانًا، ويخرجون في مسيرات سلمية نحو مقر العمالة، حاملين ملفاتهم، أطفالهم، وصور منازلهم المهددة. كان صوتهم واضحًا: السكن اللائق حق وليس صدقة.
لكن مع مرور الوقت، تغيرت المعادلة. دخل الملف مرحلة جديدة، أكثر غموضًا وتعقيدًا، حيث انتقلت لغة الحلول من “استفادة داخل الحي” إلى “استفادة خارج المدينة”. ما يعني ببساطة: تفكيك المجتمع ونقله من فضاء يعرفه، اعتاد عليه، وارتبط به اقتصاديًا واجتماعيًا، إلى فضاءات بعيدة يصعب التأقلم معها.
التشتيت بدل الإدماج
بدأت عملية إعادة الإسكان، لكن ليس بما كان ينتظره السكان. بدل أن تُخصص بقع بعين المكان لأقدم حي صفيحي في المدينة، اختارت السلطات نموذجًا مختلفًا: شقق بعيدة، في مناطق مثل الشلالات أو بدر.
بالنسبة للعديد من الأسر، لم يكن هذا انتقالًا جغرافيًا فقط، بل اقتلاعًا من الجذور.
فالمسافة إلى المدارس، أماكن العمل، المستشفى، والأسواق، تحولت إلى عبء يومي.
والأهم، أن العلاقات الاجتماعية التي بناها الحي خلال عقود، تفككت في أيام.
وبينما كان البعض يحاول التأقلم مع السكن الجديد، كانت عائلات أخرى تعيش في قلق مضاعف: منازلهم في البرادعة مهددة بالهدم، قبل أن يجدوا بديلًا واضحًا، في ظل غياب رؤية شفافة للجدولة والتحويل.
سلطات حائرة… وسكان أكثر حيرة
ما زاد الوضع تعقيدًا هو أن السلطة المحلية، بدت عاجزة عن ضبط إيقاع هذا الانتقال.
مرات تتحدث عن “الحلول الشاملة”، ومرات عن “المراحل”، ومرات عن “إعادة هيكلة شاملة للفضاء”.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا: غياب خريطة طريق معلنة، تحترم حقوق الساكنة وتضمن الاستمرارية الاجتماعية.
في المقابل، برز لدى السكان إحساس متزايد، بأن ما يجري ليس إدارة أزمة، بل هروبًا إلى الأمام.
فبدل مواجهة المشكل بحل جذري داخل المدينة، تم اعتماد مقاربة التفكيك الوقتي، التي تُبعد السكان بدل إدماجهم.
حي أنجب النخب… لكنه يسكن التهميش
المفارقة التي تلفت الانتباه في حي البرادعة، هي أن هذا الفضاء الهش، الذي جرى التعامل معه إداريًا باعتباره “مشكلة”، كان في الواقع مكانًا أنتج طاقات بشرية عالية المستوى.
فكيف لحي أنجب محامين وأساتذة وأطرًا أن يقبل بأن يُعامل ككتلة هامشية يجب التخلص منها؟
الجواب يتجاوز قدرة السكان الفردية، إلى منظومة سياسية واقتصادية، لم تجعل من التنمية البشرية أولوية حقيقية.
فالنجاح الفردي في البرادعة، لم يحوّل الحي إلى ملف مستعجل، بل ربما جعله أكثر قابلية للإهمال تحت ذريعة “الجميع قادر على تدبير أموره”.
صراع لم ينتهِ
اليوم، يقف البرادعة على مفترق طرق:
-
جزء من ساكنته سيتم نقله إلى مساكن بعيدة
-
جزء آخر ينتظر، تحت ضغط الهدم والضياع
وأغلب هؤلاء السكان يعيشون منذ أزيد من عشر سنوات في وضعية انتظار معلّقة، لا يقين فيها ولا ضمانات ملموسة. سنوات طويلة قضوها بين الوعود المتكررة والمشاريع المؤجلة، دون أن يعرفوا هل سيتم ترحيلهم، أم إعادة إيوائهم بعين المكان، أم تركهم في مواجهة قدرهم بلا حلول.
المفارقة أن الخطاب الرسمي يتحدث عن “حلول شاملة”، بينما التجربة المعيشة للناس تقول العكس: لا رؤية، لا جدول زمني، ولا عدالة في المعايير.
من يتحمل مسؤولية كل هذا؟
المسؤولية لا تتعلق بجهة واحدة، بل بتراكمات:
-
سياسات عمرانية قصيرة النظر
-
برامج إعادة إسكان غير مدروسة
-
غياب الشفافية
-
ضعف التواصل مع السكان
-
وذهنية سلطوية ترى أن نقل المشكلة إلى مكان آخر هو حل في ذاته
لكن الأهم، أن هذا الملف يعكس أزمة أوسع في علاقة الدولة بالمجتمع الفقير:
هل يتم التعامل معه ككتلة يجب احتواؤها؟
أم كمواطنين يجب أن يعيشوا بكرامة في مدنهم؟
خاتمة
إن قصة البرادعة ليست مجرد قصة عشوائيات، بل قصة مدينة كاملة، أخفقت في حماية تاريخ اجتماعي متجذر.
هي قصة نجاحات سكنت الفقر، لكنها لم تستطع أن تغيّر منطق التدبير الذي يرى السكن “مشروعًا هندسيًا”، بينما يراه الناس “موطنًا وانتماءً”.
وإلى أن يجد هذا الملف طريقه إلى حل عادل، سيظل البرادعة شاهدًا على حقيقة مؤلمة:
في المدن التي تتغير بسرعة، ليس الجميع يجد مكانًا له، حتى لو كان من أبناء المكان الأصلي.




