البراريك في المنصورية… حين لا تتحرك السلطة إلا بصفارة المونديال

ضربة قلم
لم يكن هذا التحرك للسلطة الإقليمية، بخصوص تفشي البراريك والدواوير العشوائية بجماعة المنصورية وليدَ صحوة ضمير مفاجئة، ولا نتيجة تراكم شكايات السكان، ولا استجابة لسنوات من التحذير من مخاطر اجتماعية وبيئية وعمرانية، ظلت تتضخم في صمت. بل جاء هذا التحرك متأخرًا، مرتبكًا، ومشحونًا بدلالة سياسية واضحة: التعليمات نزلت من فوق، وتوقيتها مرتبط باقتراب تنظيم كأس العالم.
فالسلطة التي ظلت، لسنوات، تراقب تمدد الصفيح، كمن يراقب نمو عشبة برية على هامش الطريق، لم تتحرك إلا عندما صار المشهد محرجًا، لا اجتماعيًا ولا قانونيًا، بل صوريًا وبصريًا. تحركت حين صار منسوب “العيب” مرتفعًا أمام أعين خارجية، لا حين كان الفقر يتمدد أمام أعين السكان.
ملعب على طريق بنسليمان… ومشهد لا يصلح للبث
المفارقة الصارخة أن أحد الملاعب الذي شُيّد فوق تراب الإقليم، والذي يُعوّل عليه ضمن البنية التحتية المرتبطة بالاستعدادات الكبرى، يوجد على طريق بنسليمان، غير بعيد عن هذه الدواوير الصفيحية التي تناقض، من حيث الشكل والواقع، كل الخطاب الرسمي عن “التنمية المجالية” و”الواجهة الحضارية”.
هنا بالضبط، يصبح الصفيح مشكلة. ليس لأنه يهين كرامة ساكنيه، بل لأنه يقع في مجال الرؤية المحتملة، أو قريب منها. لأن الكاميرا لا ترحم. لأن صورة كأس العالم لا تحتمل هذا التناقض الفجّ بين ملعب حديث ودواوير منسية.
المنصورية بوجهين: واجهة أمريكية… وهوامش منسية
في قلب جماعة المنصورية، المشهد مختلف تمامًا. طرقات عريضة، إسمنت، إقامات فاخرة، محلات أنيقة. حين تصل إلى الوسط، قد يخالجك الانطباع بأنك في ضاحية أمريكية منظمة، حيث كل شيء محسوب ومصقول، ولا تسأل عن عدد الطوابق…
لكن هذا الانطباع سرعان ما يتبدد إن قررت أن تنحرف قليلًا عن المسار المعبد. فالدواوير العشوائية لا تقع في الوسط، بل في الجهات غير المرئية، في الهوامش التي لا تمر منها الوفود، ولا تتوقف عندها العدسات، ولا تُلتقط فيها الصور التذكارية.
هكذا صُممت الجغرافيا الاجتماعية للمنصورية:
وسط أنيق يُعرض، وهوامش فقيرة تُخفى.
واجهة تُستثمر، وأطراف تُترك للزمن.
من سمح؟ ومن سكت؟ ومن استفاد؟
البراريك لم تنبت بين ليلة وضحاها. لم تسقط من السماء. هي نتاج سنوات من التغاضي، ومن تساهل غير بريء، ومن صمت إداري، لم يكن دائمًا بلا مقابل. هناك من بنى بدافع الحاجة، نعم، لكن هناك أيضًا من سهّل، ومن غض الطرف، ومن راكم نفوذًا صغيرًا على حساب الفوضى.
والأخطر أن هذا الصمت، لم يُكسر إلا حين صار الصفيح، يهدد صورة أكبر من الجماعة، صورة الإقليم، وربما صورة البلاد في لحظة عالمية حساسة.
تحرك متأخر… وأسئلة بلا أجوبة
اليوم، تُستأنف الجرافات، وتُحرّك الملفات، وتُستدعى لغة “تطبيق القانون”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
لماذا الآن؟
ولماذا لم يتحرك هذا “القانون” حين كان الصفيح يتمدد حجرًا حجرًا؟
ولماذا لم تُطرح بدائل سكنية حقيقية قبل التفكير في الإزالة؟
الخطر أن يتحول هذا التحرك إلى مجرد تنظيف بصري، يهدف إلى إخفاء الفقر لا معالجته، وإلى نقل المشكلة لا حلها، وإلى إرضاء الصورة بدل إنصاف الإنسان.
أحياء نبتت في موسم الانتخابات
ولا يمكن فهم تمدد الأحياء العشوائية بالمنصورية، دون استحضار عامل ظلّ طويلاً من المسكوت عنه: الانتخابات. ففي أكثر من محطة، نبتت دواوير كاملة في “خاطر” الاستحقاقات الانتخابية، حين تحوّل الصفيح من خرق قانوني، إلى ورقة انتخابية صامتة. آنذاك، كان غضّ الطرف سياسة غير معلنة، وكان التساهل مع البناء العشوائي نوعًا من الاستثمار في الأصوات، حيث يُترك الفقراء يبنون، لا حبًا فيهم، بل انتظارًا لولائهم الانتخابي. هكذا، تحوّلت البراريك إلى خزان انتخابي، وسُمح لها بالتمدد في الهوامش، بعيدًا عن وسط الجماعة، في انتظار كل موعد انتخابي جديد. وما إن تُطوى صناديق الاقتراع، حتى يعود الحديث عن “تطبيق القانون”، وكأن العشوائي، لم يكن بالأمس القريب أداةً في لعبة محسوبة. هذه الازدواجية، بين زمن التساهل وزمن الصرامة، هي التي صنعت جزءًا كبيرًا من الواقع المشوّه الذي تعيشه المنصورية اليوم.
ما بين المونديال والواقع
كأس العالم سيمر. المباريات ستُلعب. الصور ستُبث.
لكن سكان هذه الدواوير سيبقون، بأسئلتهم، وهشاشتهم، وحقهم في مدينة لا تختبئ منهم.
الرهان الحقيقي ليس في إزالة البراريك، قبل وصول الكاميرات، بل في منع عودتها بعد مغادرتها.
أما غير ذلك، فليس سوى ترحيل مؤقت للفقر… من مجال الرؤية، لا من الواقع.




