الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

البرامج الاجتماعية: زخرف في بلاغات الوزراء، وبؤس في جيوب الفقراء

ضربة قلم

في هذه البلاد السعيدة – أو التي يُفترض بها أن تكون كذلك – صرنا نرى “البرامج الاجتماعية” تنزل علينا من كل جهة كالمطر، لكنها مطر صيفي: كثير الصخب، قليل الأثر. كلما دقّ المواطن ناقوس الخطر، خرجت حكومتنا الموقرة لتبشره ببرنامج جديد، باسم جديد، وأمل قديم. أسماؤها فخمة: “أوراش”، “فرصة”، “دعم مباشر”، “نظام السجل الاجتماعي الموحد”، وحتى “راميد” الذي مات قبل أن يشيخ… والنتيجة؟ المواطن مازال ينتظر “فرصة” كي يعمل، ويبحث عن “أوراش” حقيقية لا وهمية، وينظر إلى “الدعم” كأنه سراب في صحراء.

المفارقة أن كل هذه البرامج تُسوّق إلينا بوصفها حلولًا ناجعة، ويُصرف عليها الملايير، لكن لا أحد يسأل: أين النتائج؟ كم أسرة خرجت من الفقر فعلًا؟ كم شاب أصبح له مشروع حقيقي وليس “صورة” على إنستغرام تُعرض يوم تدشين الوالي؟ كم مريضًا استطاع أن يشفى دون أن يحتاج إلى “واسطة” ليُقبل في مستشفى عمومي؟

كل شيء مدروس بعناية: البلاغات الرسمية مزخرفة، والصور عالية الجودة، والوزراء يوزعون الابتسامات على الشاشات، لكن خلف الكاميرا، هناك أم تبكي في الطابور، وعاطل يسخر من حظه، وعجوز يتساءل لماذا لم يصله دعم الخبز رغم أن أسنانه لا تقوى على أكله!

أما الطبقة الوسطى – تلك الشريحة التي كانت تُلقب بقاطرة التنمية – فقد أصبحت الطبقة المصفقة. لا هي غنية لتستفيد من امتيازات، ولا فقيرة لتدخل في برامج المساعدة. إنها طبقة عالقة بين سماء الضرائب وأرض التهميش، تقضم قروض الاستهلاك وتبلع أوجاعها بصمت حضاري.

والأدهى من ذلك أن المسؤول حين يُسأل، يتحدث عن “أرقام مشجعة” و”مؤشرات إيجابية”، وحين يُحرج، يقفز إلى شماعة الأزمات الدولية، أو يقول بكل بساطة: “نحن نشتغل في صمت”، وكأن الصمت فضيلة في دولة تعجّ بالضجيج!

وها نحن اليوم أمام مشهد يتكرر: نفس الخطاب، نفس الوعود، نفس “النية الحسنة”… وحده المواطن يتغير، من متفائل إلى ساخر، من مشارك إلى متفرج، وأحيانًا إلى ساخط لا يثق في أحد.

في انتظار برنامج جديد، ربما باسم جديد مثل “غادي نعاونك”، أو “صبّر شويا”، يبقى السؤال الحقيقي: هل نحن فعلاً نُعالج الفقر، أم نُزيّنه؟ هل نُحارب الهشاشة، أم نُنتجها بسياسات مرتبكة؟ أم أننا فقط نؤجل الانفجار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.