البركة في الشباب

ضربة قلم
البركة في الشباب… في تلك الحناجر التي تمزّق جدار الصمت، في تلك الأقدام التي ترفض أن تتراجع إلى الوراء. البركة في من جعلوا الشارع كتاباً مفتوحاً، تُكتب فيه الحقيقة بمداد العرق والدموع، لا بمداد البلاغات الرسمية.
جيل “زيد 212” ليس ترفاً ولا نزوة عابرة، إنه الصرخة الأخيرة لوطن يحترق على مهل. شباب خرجوا من الفقر، كما يخرج العشب من بين شقوق الإسفلت، يرفعون شعارات ليست شعاراتهم وحدهم، بل صرخات أجيال سبقتهم ولم يُسمع صوتها. يطالبون بتعليم يُنصف لا يميز، ببنية تحتية تشبه البشر لا البهرجة، بصحة تُداوي الجراح لا تزيدها نزفاً، بعدالة تردّ الكرامة، وبوطن لا يُدار كضيعة خاصة.
إنهم يغنون للأمل وسط دخان القنابل المسيلة للدموع، ويهتفون للحياة أمام سياط الخوف. يعرفون أن السلمية هي قوتهم، وأن النقاء هو سلاحهم. ومع ذلك، تأتي الأجسام الغريبة، الطفيليات التي تندسّ بين الصفوف لتزرع الفوضى، لتُعطي الذريعة لمن يبحث عن مبرر للقمع. هؤلاء لا يمثّلون الشباب، ولا يمثّلهم الشباب، هم مجرد ظلال سوداء تحاول سرقة الضوء.
نحن مع الاحتجاجات السلمية، مع أن يُواجَه الصوت بالإنصات، لا بالهراوة. مع أن يُقابل الشعار بالحل، لا بالصطافيط. مع أن يُفهم الغضب على أنه جرس إنذار، لا مؤامرة.
أيها الساسة: أنصتوا جيداً. هذه ليست موجة عابرة، ولا نزقاً شبابياً. هذا جيل كسر جدار الخوف، ولن يعود إلى البيوت، كما لو أن شيئاً لم يكن. هذا جيل لا يعرف معنى الطاعة العمياء، ولا يقدّس وجوهاً أكل عليها الدهر وشرب.
أليس من الخزي أن يُشيّد الوطن ملاعب بملايين الدراهم في رمشة عين، بينما أقسام المدارس تتساقط أسقفها فوق رؤوس الصغار؟ أليس من العار أن نفتخر بالقطار السريع، بينما المريض يموت في طريقه إلى مستشفى بلا طبيب؟ أليس من المأساة أن نصرف على الواجهة أكثر مما نصرف على الإنسان؟
البركة في الشباب، لأنهم آخر ما تبقى من كرامة. البركة في غضبهم، لأنه يذكّرنا أننا ما زلنا أحياء. البركة في إصرارهم، لأنهم يرسمون ملامح الغد بدموعهم وأصواتهم.
فلتكن السلطة شجاعة: تعالوا إلى الشارع بلا دروع، بلا هراوات، بلا غاز. تعالوا بقلوب صادقة، تعالوا بالحوار. فالتاريخ لا يرحم من يختار أن يقف في وجه الأمل.
البركة في الشباب، لأنهم ليسوا فقط أبناء هذا الوطن… إنهم الوطن نفسه.




