البريد بنك أم “بنك الرئيس”؟ ملفات متراكمة وقرارات تنتظر التوقيع!

ضربة قلم
من حق أي مسؤول أن تكون لديه ملفات كثيرة فوق مكتبه، ومن حقه أيضاً أن يراجع القرارات الكبرى، وأن يتأكد من أن المؤسسة، التي يشرف عليها تسير في الاتجاه الصحيح. لكن أن يتحول مكتب الرئيس إلى ما يشبه مستودعاً وطنياً للملفات، بحيث لا يكاد قرار صغير أو كبير يغادره، إلا بعد أن يحصل على البركة والتوقيع والموافقة والختم، فهنا لا نكون أمام حرص إداري، بقدر ما نكون أمام بيروقراطية، قررت أن تدخل القرن الحادي والعشرين وهي ما تزال تحمل معها مفاتيح الخزانة!
والملاحظ البسيط، الذي لا يحتاج إلى شهادة في علوم الإدارة، حتى يكتشف الخلل، يستغرب فعلاً لحالة الجمود التي يبدو أن مؤسسة البريد بنك تعيشها على أكثر من مستوى. مشاريع الهيكلة متوقفة، وإصلاح الوكالات ينتظر، وتجديد التجهيزات المعلوماتية والمكتبية، لا يبدو أنه يتحرك بالسرعة التي تفرضها مؤسسة مالية، يفترض أنها تشتغل بمنطق السرعة والنجاعة والمنافسة.
والأغرب من ذلك، أن مشاريع كبرى سبق الترويج لها باعتبارها، ستشكل نقلة نوعية في الفرع المالي لمجموعة بريد المغرب، انتهت، حسب ما يتداوله العاملون والمتابعون، إلى الاستقرار في المكان الأكثر أماناً، في المؤسسة: فوق مكتب الرئيس!
نعم، فوق المكتب!
وكأن المشروع الاستراتيجي، بمجرد أن يصل إلى مكتب الرئيس، يحصل على إقامة دائمة، ويصبح من ممتلكات الأثاث الإداري، إلى جانب الأقلام والملفات والدباسة!
المشكلة هنا ليست في كثرة الملفات، فالرئيس الذي يدير مؤسسة كبيرة، من الطبيعي أن يجد فوق مكتبه ملفات كثيرة. لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا يجب أن تمر كل الملفات من هذا المكتب أصلاً؟
هل أصبح المدير المركزي، يحتاج إلى إذن حتى يقرر، ما إذا كان سيستعمل الدباسة أم المشبك؟
وهل أصبح المدير الجهوي، قبل أن يحرك كرسياً داخل مكتبه، مطالباً بإرسال طلب إلى الإدارة المركزية، ثم انتظار أن يصل الطلب إلى مكتب الرئيس، ثم انتظار أن يخرج منه، ثم انتظار أن تعود معه الموافقة؟
إذا استمرت الأمور بهذه الطريقة، فقد يأتي يوم يحتاج فيه مدير وكالة إلى موافقة الرئيس، قبل أن يفتح باب الوكالة صباحاً، وربما يضطر إلى إرسال مذكرة استعطاف من قبيل:
“الموضوع: طلب الترخيص بفتح الباب رقم 1 للوكالة على الساعة الثامنة والنصف صباحاً، مع التفضل بالموافقة.”
والرئيس، بعد دراسة الملف دراسة معمقة، قد يحيله إلى مدير مركزي لإبداء الرأي، ثم إلى مدير جهوي للتأشير، ثم يعيده إلى مكتب الرئيس للتوقيع!
هذه ليست مبالغة بقدر ما هي صورة ساخرة، لمنطق إداري تصبح فيه المركزية غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لخدمة المؤسسة.
فالقيادة الناجحة، ليست أن يعرف الرئيس كل شيء، ويوقع كل شيء، ويقرر في كل شيء، وإنما أن يبني مؤسسة قادرة على اتخاذ القرار، حتى عندما لا يكون الرئيس جالساً وراء مكتبه.
أما أن تصبح المؤسسة كلها، معلقة على توقيع شخص واحد، فذلك لا يسمى قوة في الإدارة، بل قد يكون العكس تماماً: ضعفاً في منظومة التفويض.
لأن المدير الذي لا يستطيع اتخاذ قرار في حدود اختصاصه، سيظل دائماً يبحث عن توقيع من فوقه. والمدير الجهوي الذي يخاف من اتخاذ القرار سيحيل الملف إلى المدير المركزي، والمدير المركزي سيحيله إلى الإدارة العامة، والإدارة العامة ستحيله إلى مكتب الرئيس، ومكتب الرئيس سيضعه فوق كومة الملفات…
وهكذا تدور المؤسسة في دائرة مغلقة، بينما الزمن وحده يتحرك!
والأخطر أن هذه المركزية المفرطة، تطرح سؤالاً، لا يمكن القفز عليه: لماذا لا يتم تفويض الصلاحيات؟
هل السبب هو انعدام الثقة في المديرين المركزيين والجهويين؟
هل المشكلة في عدم كفاءة بعض المسؤولين؟
أم أن هناك اعتقاداً إدارياً راسخاً، بأن المؤسسة، لا يمكن أن تتحرك، إلا إذا كان الرئيس حاضراً في كل صغيرة وكبيرة؟
إذا كان الجواب هو انعدام الثقة، فالمشكلة أكبر من مجرد ملفات متراكمة. لأن المؤسسة التي لا تثق في مسؤوليها، لا يمكن أن تطلب منهم في الوقت نفسه، تحمل المسؤولية والنتائج.
أما إذا كان المديرون مؤهلين، فلماذا لا تمنح لهم الصلاحيات؟
وبين هذا وذاك، تبقى الوكالات تنتظر، والمشاريع تنتظر، والمستخدمون ينتظرون، والمواطن الذي يدخل إلى الوكالة، لا يعرف لماذا يستغرق القرار، الذي يمكن أن يحسم في ساعات أسابيع أو أشهراً.
والأكثر إثارة للسخرية، أننا نعيش في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والإدارة الإلكترونية، بينما يبدو أن بعض القرارات داخل المؤسسة، ما زالت تعيش في زمن الورق والكربون والطابع والتوقيع!
تخيلوا مثلاً تعيين مدير وكالة في منطقة نائية.
الرجل ينتظر معرفة مصيره، والأسرة تنتظر، والأبناء ينتظرون معرفة المدرسة الجديدة، والسكن ينتظر، والحياة كلها تنتظر…
لكن الملف، ربما ينتظر بدوره فوق المكتب!
وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال: أين سيتعين المدير؟
بل يصبح السؤال:
أين يوجد الملف؟
فإذا وجدناه فوق مكتب الرئيس، يمكن للجميع العودة إلى منازلهم مطمئنين!
ثم هناك هواية أخرى، تبدو أكثر نشاطاً: الاتفاقيات والشراكات.
فمن الصعب، أن تمر مناسبة دون توقيع اتفاقية، أو إعلان شراكة، أو التقاط صور جماعية، أو مصافحة طويلة أمام الكاميرات.
والاتفاقيات في حد ذاتها ليست مشكلة، بل هي أمر طبيعي، ومفيد لأي مؤسسة، تريد الانفتاح على محيطها.
لكن المشكلة، تبدأ عندما تتحول الاتفاقيات إلى ألبومات صور أكثر منها مشاريع قابلة للقياس.
توقيع جميل، بدلات أنيقة، ابتسامات، مصافحة، صورة جماعية، تصريح عن المستقبل الواعد، ثم…
الصمت.
فأين الحصيلة؟
كم اتفاقية جرى توقيعها؟
كم واحدة منها، دخلت فعلاً مرحلة التنفيذ؟
ما الذي استفادت منه المؤسسة؟
وما الذي استفاد منه المواطن؟
وكم مشروعاً خرج من الورق إلى أرض الواقع؟
لأن المؤسسة، لا تُقاس بعدد الصور التي التقطها الرئيس، وهو يوقع الاتفاقيات، وإنما بعدد المشاريع التي وجد المواطن نتائجها أمامه.
أما أن يصبح التوقيع على الاتفاقية، إنجازاً في حد ذاته، فهذا يشبه شخصاً، يشتري دفتر شيكات، ثم يحتفل لأنه أصبح غنياً!
والآن، ونحن على مشارف نهاية العطلة الصيفية، هناك فئة أخرى لا تنتظر اتفاقية ولا صورة ولا شراكة، وإنما تنتظر فقط أن تعرف ماذا سيحدث لها غداً.
مستخدمو البريد بنك الذين عبروا عن رغبتهم في مغادرة المؤسسة، في إطار عملية المغادرة الطوعية، ينتظرون الموافقة على طلباتهم.
والمديرون الجهويون ومديرو الوكالات ينتظرون بدورهم معرفة المناصب الجديدة، التي ستسند إليهم، في إطار الحركية السنوية.
ووراء كل واحد منهم أسرة.
أبناء متمدرسون.
سكن.
تنقل.
التزامات.
حياة كاملة تحتاج إلى التخطيط.
لكن طالما أن القرار لم يصدر، فالجميع يعيش في حالة “انتظروا حتى إشعار آخر”.
قد يقال لهم: لا تقلقوا، الأمور في الطريق.
لكن الطريق في بعض المؤسسات، قد يكون طويلاً جداً، خصوصاً إذا كان الملف، قد اختار أن يسافر عبر كل المكاتب، قبل أن يصل إلى صاحب القرار!
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
في الوقت الذي ينتظر فيه الموظف قراراً يمس مستقبله المهني والعائلي، يبدو أن الرئيس منشغل بسفريات خارجية، وأنشطة حزبية مكثفة، استعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
والعمل الحزبي، بطبيعة الحال، حق مشروع، والسفر كذلك، وتشجيع فريق رياضي حق من حقوق أي مواطن.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، بكل بساطة:
من يدير المؤسسة عندما يكون الرئيس خارجها؟
وهل البريد بنك يملك إدارة قادرة على اتخاذ القرار في غيابه، أم أن بعض الملفات، يفضل أصحابها أن تنتظر عودته، حتى لا ترتكب الإدارة جريمة اتخاذ القرار، دون إذن صاحب الختم الكبير؟
أما علاقة الرئيس بإحدى فرق البطولة الوطنية وتشجيعه لها، فهي شأن شخصي، لا ينبغي لأحد أن يحاسبه عليه. المشجع له الحق في أن يشجع من يريد، وأن يفرح للفوز ويحزن للهزيمة.
لكن ما يستحق السؤال، من باب الشفافية فقط، هو ألا تختلط عاطفة المشجع بمسؤولية المسؤول.
فإذا دخلت المؤسسة في أي صفقات إشهارية أو شراكات رياضية، فالمطلوب ببساطة أن تكون المعايير واضحة، والمبررات معلنة، والمصلحة التجارية للمؤسسة هي الأساس، لا لون القميص ولا اسم الفريق ولا قربه من المسؤول.
لأن البريد بنك مؤسسة لها مستخدموها وزبناؤها وميزانيتها وسمعتها، وليست جمعية مشجعين، ولا مكتباً لتوزيع بطائق الانخراط في المدرجات!
وفي النهاية، ليست المشكلة في أن يكون الرئيس قوياً.
وليست المشكلة في أن يراقب.
وليست المشكلة في أن يوقع.
المشكلة تبدأ عندما تصبح كل القوة عند شخص واحد، وكل القرارات في مكتب واحد، وكل الملفات فوق مكتب واحد، وكل المؤسسة تنتظر شخصاً واحداً.
فالمسؤول القوي هو الذي يبني مؤسسة، تعمل بكفاءة في حضوره وغيابه.
أما الرئيس الذي لا يطمئن، إلا عندما تمر كل صغيرة وكبيرة من مكتبه، فقد ينتهي به الأمر إلى اكتشاف مفارقة مضحكة جداً:
أنه لم يعد يدير المؤسسة، بل أصبح هو المؤسسة!
وعندما تصبح المؤسسة شخصاً واحداً، تصبح عطلة ذلك الشخص عطلة للمؤسسة، وسفره سفرها، وانشغاله انشغالها، وملفاته ملفاتها، وحتى توقيعه يصبح مثل محطة كهرباء وطنية: إذا لم يشتغل، انطفأت الأضواء في كل مكان!
وهنا ربما تحتاج بريد بنك، قبل أي مشروع استراتيجي جديد، إلى مشروع أكثر استعجالاً:
مشروع تحرير القرار من مكتب الرئيس.
لأن الملفات، لا تحتاج إلى كراسي فاخرة، لتجلس عليها، والمشاريع، لا تحتاج إلى أن تقضي شيخوختها فوق المكاتب، والموظفين، لا يمكن أن يخططوا لمستقبلهم على أساس عبارة:
“الملف مازال عند الرئيس.”
فإذا كان كل شيء ما زال عند الرئيس، فمن المسؤول إذن عن الباقي؟
سؤال بسيط…
لكن يبدو أنه يحتاج هو الآخر إلى توقيع الرئيس قبل الإجابة عنه!
وفي النهاية… لمن يظن أن كل الطرق تمر من مكتبه
ولأننا نقترب من الاستحقاقات التشريعية المقبلة، ويبدو أن صاحبنا، قد بدأ منذ الآن، في ترتيب أوراقه السياسية، والتحرك هنا وهناك، وربما الحلم بمقعد برلماني، يفتح له أبواباً أخرى، فمن حقنا أن نسأله، بكل صراحة ومن دون لفّ ولا دوران:
من تظن نفسك؟
هل تظن نفسك فوق المؤسسة التي تديرها؟
هل تعتقد أن كل قرار، يجب أن يمر من مكتبك، وكل ملف لا قيمة له، ما لم يمر تحت عينيك، وكل مدير لا يملك حق التحرك إلا بعد أن يحصل على إذنك؟
البريد بنك ليست ضيعة شخصية، ولا مكتباً انتخابياً، ولا منصة لتلميع صورة المسؤول.
هي مؤسسة لها مستخدمون، ينتظرون قراراتهم، ومديرون ينتظرون تعييناتهم، ومشاريع تنتظر الانطلاق، ووكالات تحتاج إلى الإصلاح والتجهيز، وزبناء يريدون خدمة سريعة ومحترمة، وموارد مالية يفترض أن تُدار بمنطق الحكامة والنجاعة، لا بمنطق: «خلّيو الملف عندي حتى نشوفو!»
وإذا كنت تطمح إلى أن تصبح نائباً عن الأمة، فالأولى بك أن تتعلم قبل الوصول إلى البرلمان أن النائب لا يحتكر القرار، وأن المسؤول لا يحتكر المؤسسة، وأن السلطة الحقيقية ليست في كثرة التوقيعات التي يضعها الشخص على الملفات، وإنما في قدرته، على بناء مؤسسة، تستطيع أن تعمل بكفاءة، حتى عندما يكون هو خارج مكتبه.
أما إذا كان طموحك السياسي، قد جعلك تنظر إلى المؤسسة باعتبارها محطة في طريقك، نحو منصب أكبر، فاعلم أن الموظفين ليسوا كومبارس في حملتك الانتخابية، والمشاريع ليست ديكوراً في صور الشراكات، والاتفاقيات ليست أوراقاً لجمع الأختام، والبريد بنك ليس مدرجاً لتشجيع هذا الفريق أو ذاك.
فمن تظن نفسك؟
رئيس مؤسسة مؤتمن على تدبيرها؟
أم صاحب القرار الوحيد فيها؟
أم مرشحاً سياسياً، يريد أن يحمل معه المؤسسة إلى الحملة الانتخابية؟
الجواب عندك…
لكن تذكر جيداً: المنصب قد يمنحك سلطة التوقيع، لكنه لا يمنحك ملكية المؤسسة، والمقعد البرلماني ـ إن حصلت عليه ـ لا يمنحك ملكية الوطن.
والأهم من كل ذلك، أن التاريخ الإداري والسياسي، لا يتذكر عدد الملفات، التي بقيت فوق مكتب المسؤول، بل يتذكر ما الذي أنجزه عندما كانت الملفات بين يديه.
فلا تجعل البريد بنك ينتظر حتى تعرف:
هل الرئيس يدير المؤسسة… أم أن المؤسسة أصبحت تنتظر الرئيس؟




