الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

اقتصادمجتمع

البريد بنك.. الأرقام تنهار، النشرة المالية تختفي والمغادرة الطوعية تفتح باب الأسرار!

ضربة قلم

هناك أرقام لا تحتاج إلى تعليق طويل، ولا إلى محلل مالي يحمل آلة حاسبة ضخمة. يكفي أن تقرأها جنباً إلى جنب، حتى تبدأ علامات الاستفهام في الظهور.

الوثيقة المالية الخاصة بـ Al Barid Bank، المتعلقة بالنتائج إلى غاية 31 مارس 2026، تقدم صورة مختلفة تماماً عن تلك التي كانت ترسمها أرقام نهاية سنة 2025.

ولنبدأ من الرقم الذي لا يمكن تغطيته بأي مساحيق:

النتيجة الصافية انتقلت من ربح قدره 442.6 مليون درهم في نهاية مارس 2025 إلى خسارة قدرها 287.9 مليون درهم في نهاية مارس 2026.

أي أننا لا نتحدث عن تراجع بسيط، بل عن انقلاب في الاتجاه المالي خلال سنة واحدة.

والأكثر إثارة أن الناتج الصافي البنكي PNB، الذي كان في حدود 1.207 مليار درهم في نهاية مارس 2025، هبط إلى حوالي 183.7 مليون درهم فقط في مارس 2026.

بعبارة أخرى: أكثر من مليار درهم من الناتج الصافي البنكي، اختفت من الحسابات خلال سنة واحدة!

لكن هنا تبدأ الحكاية، التي تستحق أن تُقرأ بهدوء…

المصاريف البنكية: الرقم الذي يلفت الانتباه

هناك بند اسمه «Autres charges bancaires».

كان في حدود 106.9 مليون درهم في مارس 2025.

وفي مارس 2026 أصبح:

542.5 مليون درهم!

أي قفزة تقارب 407%.

وهنا بالضبط يحق لنا أن نسأل:

ما الذي جعل هذه المصاريف البنكية الأخرى، تقفز بهذا الشكل؟

ما طبيعة هذه المصاريف؟

ولماذا ارتفعت بهذه السرعة؟

وهل هناك عمليات استثنائية، أو محاسبية تفسرها؟

الوثيقة تعرض الرقم، لكنها لا تقدم في الجدول المنشور تفصيلاً، يجيب عن كل هذه الأسئلة.

والأغرب… الإيرادات البنكية نفسها تراجعت

مجموع منتجات الاستغلال البنكي تراجع من حوالي 1.615 مليار درهم إلى 953.8 مليون درهم.

لكن بعض المكونات لم تتراجع، بل ارتفعت.

فالعمولات على الخدمات مثلاً، ارتفعت من 240.8 مليون درهم إلى 252.8 مليون درهم.

وفوائد ومنتجات العمليات مع الزبناء، ارتفعت من 142.5 مليوناً إلى 164.2 مليون درهم.

إذن السؤال ليس فقط:

لماذا تراجعت المداخيل؟

بل أيضاً:

لماذا ارتفعت بعض الموارد، بينما انهار الناتج البنكي النهائي بهذه القوة؟

الأرقام تضع هذه المفارقة أمامنا بوضوح.

والزبناء؟ ما زالوا يضعون أموالهم

وهنا تظهر مفارقة أخرى.

ودائع الزبناء ارتفعت من 80.195 مليار درهم في نهاية 2025 إلى 82.589 مليار درهم في نهاية مارس 2026.

أي أن الودائع، ارتفعت بحوالي 2.4 مليار درهم خلال ثلاثة أشهر فقط.

وحسابات الادخار، ارتفعت من 38.304 مليار إلى 39.164 مليار درهم.

إذن، المواطنون والزبناء يواصلون وضع أموالهم لدى البنك…

لكن في المقابل، النتيجة الصافية تتحول إلى خسارة، والناتج الصافي البنكي، يتراجع بشكل حاد.

وهنا السؤال الذي لا يمكن دفنه بسهولة: أين ذهبت تلك الأموال داخل المعادلة المالية؟

طبعاً، ارتفاع الودائع، لا يعني أن الودائع نفسها تحولت إلى أرباح؛ فهذا استنتاج غير صحيح محاسبياً. لكنه يجعل من حق القارئ أن يطلب تفسيراً واضحاً، لمسار الإيرادات والتكاليف والنتيجة النهائية.

والأصول تكبر… والخسارة تكبر معها!

إجمالي أصول البنك ارتفع من 101.136 مليار درهم في نهاية 2025 إلى 103.316 مليار درهم في نهاية مارس 2026.

أي أن حجم الميزانية ارتفع، في الوقت الذي سجلت فيه المؤسسة، خسارة صافية بـ 287.9 مليون درهم.

أما في الحسابات الموحدة وفق IFRS، فالصورة تصبح أكثر إثارة:

النتيجة الصافية بلغت ناقص 364 مليون درهم، بعدما كانت موجبة بـ357.7 مليون درهم في مارس 2025.

أما الناتج الصافي البنكي الموحد، فتراجع من 1.241 مليار درهم إلى 284.3 مليون درهم.

أي أن المفارقة، ليست محصورة فقط في الحسابات الاجتماعية، بل تظهر أيضاً في الحسابات الموحدة.

وهنا نصل إلى السؤال الأكبر…

إذا كانت هذه هي الأرقام الرسمية الواردة في وثيقة مالية، مؤرخة في مارس 2026، وإذا كان موقع البنك، قد أتاح هذه الوثيقة، ثم اختفت ولم تعد ظاهرة بالطريقة نفسها حالياً، فإن سؤالنا الطبيعي ليس:

«لماذا أخفيتم الأرقام؟»

لأن ذلك سيكون اتهاماً، يحتاج إلى دليل.

السؤال المهني والأكثر إزعاجاً هو:

لماذا اختفت النشرة من الواجهة؟ وهل يتعلق الأمر بتحديث تقني عادي، أم بإعادة ترتيب للصفحات والوثائق، أم أن هناك سبباً آخر؟

والأهم:

هل ستعود الوثيقة إلى الموقع الرسمي، بشكل واضح ومتاح للعموم؟

لأن الأرقام المالية، خصوصاً عندما تتحدث عن خسارة بـ287.9 مليون درهم في الحسابات الاجتماعية، وخسارة موحدة بـ364 مليون درهم، لا ينبغي أن تتحول إلى لعبة «كانت هنا… ثم اختفت»!

فالزبون من حقه أن يفهم.

والصحفي من حقه أن يسأل.

والبنك، قبل الجميع، من حقه أن يشرح.

أما الأرقام… فقد قالت كلمتها.

وماذا عن التأخر في نشر باقي المعطيات المالية؟

ومن بين الملاحظات التي تستحق التوضيح أيضاً، التأخر المسجل إلى حدود اليوم، من طرف مصلحة التواصل المالي، في نشر الحصيلة نصف السنوية للسنة الجارية 2026، وكذا عدم نشر الحصيلة المالية المتعلقة بشهر شتنبر، كما جرت العادة في السابق على نشر الحصائل والمعطيات المالية بشكل دوري كل ثلاثة أشهر.

وهنا نتساءل، بكل حسن نية، وحرصاً على مبدأ الشفافية والتواصل المؤسساتي:

ما سبب هذا التأخر؟

ولماذا كانت الحصائل المالية، تُنشر بشكل منتظم كل ثلاثة أشهر في فترات سابقة، بينما لم تعد المعطيات، تُنشر بالوتيرة نفسها خلال السنة الحالية؟

ثم لماذا تم، في الوقت ذاته، حذف أو عدم إتاحة بعض المعطيات والحصائل المالية المتعلقة بالسنوات الفارطة، والتي كانت منشورة ومتاحة للعموم؟

إن الأمر لا يتعلق فقط بتاريخ نشر الأرقام، وإنما بحق المستخدمين والمهتمين والمتتبعين في الوصول إلى المعلومة المالية بشكل منتظم وواضح، بما يسمح بمقارنة النتائج بين السنوات وتتبع تطور المؤشرات المالية للمؤسسة.

ولذلك، فإن السؤال المشروع اليوم هو:

هل يتعلق الأمر بمجرد تأخر تقني أو تنظيمي في عملية النشر، أم أن هناك توجهاً جديداً في طريقة تدبير ونشر هذه المعطيات؟

المغادرة الطوعية… فصل آخر من الحكاية!

ثم هناك ملف آخر سبق لـ «ضربة قلم» أن أثارته، ولا يبدو من السهل فصله عن النقاش الدائر، حول تدبير الموارد والنفقات داخل مؤسسة بريدية بهذا الحجم: ملف المغادرة الطوعية.

فقد سبق أن نقلنا معاناة عدد من موظفي بريد المغرب، الذين اختاروا المغادرة الطوعية، والذين وجد بعضهم نفسه، لأكثر من شهرين في انتظار تسوية وضعيتهم وصرف المنح والمستحقات المرتبطة بمغادرتهم. وبعد إثارة الملف إعلامياً، تأكد لاحقاً صرف منح ومستحقات عدد من البريديين الذين ظلوا ينتظرون أكثر من شهرين.

لكن في المقابل، ظل ملف بريد بنك نفسه محاطاً بالكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً في ما يتعلق بطريقة تدبير طلبات المغادرة الطوعية ومعايير القبول والرفض والتواصل مع الموظفين المعنيين.

وهنا لا يتعلق الأمر فقط، بموظف يريد أن يغادر المؤسسة، وإنما بمنظومة كاملة يفترض أن تكون واضحة، من البداية إلى النهاية:

كم بلغ عدد الطلبات المقدمة؟

كم عدد الذين تمت الموافقة على مغادرتهم؟

وكم عدد الذين تم رفض طلباتهم؟

وما هي المعايير التي اعتمدت في القبول والرفض؟

ومن اتخذ القرار؟

وهل كانت هناك لجنة مكلفة بالملف؟

وهل كان الغلاف المالي المرصود للمغادرة الطوعية محدداً منذ البداية؟

وهل تغير هذا الغلاف لاحقاً؟

وإذا كانت المؤسسة في حاجة فعلاً إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية، فلماذا يجد موظف قضى عقوداً داخل المؤسسة نفسه أحياناً، أمام جواب مبهم أو انتظار مفتوح؟

بل إن من بين الأسئلة التي سبق أن طُرحت وجود حالات لموظفين تجاوزوا الخمسين، وبعضهم قضى أكثر من ثلاثين سنة في الخدمة، تقدموا بطلبات المغادرة الطوعية، ولم تتم الاستجابة إليها، في الوقت الذي قبلت فيه طلبات أخرى لموظفين أصغر سناً أو أقل أقدمية.

هل هناك معيار واضح؟ أم أن الأمر يخضع لحسابات لا يعرفها المعنيون بالأمر؟

والأهم من ذلك كله: هل كانت المغادرة الطوعية جزءاً من رؤية حقيقية، لإعادة تنظيم الموارد البشرية، أم تحولت إلى ملف إداري يدار بمنطق «انتظر حتى إشعار آخر»؟

لأن الموظف الذي يطلب المغادرة الطوعية لا يطلب صدقة، ولا امتيازاً مجانياً.

إنه يتحدث عن حقوق مالية ووضعية مهنية وقرار شخصي مرتبط بمستقبله.

ومن هنا يصبح التواصل المؤسساتي، أمراً أساسياً، لا امتيازاً.

فإذا كان الطلب مقبولاً، فليعرف صاحبه متى سيغادر، وكيف ستتم تسوية وضعيته، ومتى ستصرف مستحقاته.

وإذا كان مرفوضاً، فليعرف لماذا.

أما أن يبقى الموظف معلقاً بين القبول والرفض، وبين الوعد والتنفيذ، وبين «قريباً» و«انتظر حتى إشعار آخر»، فهنا يتحول الأمر من مجرد تدبير إداري إلى أزمة ثقة.

والأرقام… هل تقول لنا شيئاً عن المغادرة الطوعية؟

هنا ربما يجب أن نتوقف قليلا عند الأرقام، لأن بعضها لديها قدرة غريبة على طرح الأسئلة، أكثر مما عندها القدرة على تقديم الأجوبة.

البريد بنك كان في رصيده خلال مارس 2025 442.6 مليون درهم كربح صافٍ، وبعد عام واحد فقط، وجدنا أنفسنا أمام 287.9 مليون درهم كخسارة.

والناتج الصافي البنكي؟

من حوالي 1.207 مليار درهم إلى 183.7 مليون درهم.

أما مصاريف الاستغلال العامة، فارتفعت من حوالي 403.4 مليون درهم إلى 434.5 مليون درهم، ومصاريف الموظفين وحدها وصلت إلى حوالي 201.7 مليون درهم.

دابا هنا غادي نسولو سؤالاً واحداً، وبهدوء شديد:

إذا كانت المؤسسة داخلة في مرحلة لإعادة ترتيب مواردها البشرية، وإذا كانت المغادرة الطوعية مطروحة كواحدة من أدوات إعادة الهيكلة، فكم كلفت هذه العملية؟ وكم وفرت؟ ومتى سيظهر أثرها الحقيقي في الحسابات؟

لأن الأرقام الحالية تقول شيئاً مثيراً:

عدد من الموظفين قد يغادرون… ولكن فاتورة الموارد البشرية لم تختفِ، والنتيجة المالية تراجعت بشكل حاد.

وهنا لا نقول إن المغادرة الطوعية، هي سبب الخسارة؛ فالأرقام المنشورة لا تسمح بهذا الاستنتاج.

ولكن من حقنا أن نسأل:

هل المغادرة الطوعية كانت فعلاً عملية لتخفيف الكلفة؟ أم أن كلفتها الأولية، ستظهر قبل أن تظهر وفوراتها؟

وإذا كان الأمر كذلك، فكم هي الفاتورة؟

عشرات الملايين؟ مئات الملايين؟

ومن سيشرح، للموظفين وللزبناء وللرأي العام هذه المعادلة؟

خصوصاً وأن بند مصاريف الموظفين بلغ 201.7 مليون درهم في ثلاثة أشهر فقط.

فهل نحن أمام بداية عملية تقليص للكلفة البشرية، ستظهر نتائجها لاحقاً؟

أم أمام عملية إعادة هيكلة، لا تزال تكلفتها حاضرة، بينما نتائجها لم تصل بعد؟

السؤال مفتوح… والأرقام هي التي طلبت منا أن نطرحه.

والتقشف… واش معناه شدّ الحزام على ظهر المستخدم؟

وإذا كانت المؤسسة تتحدث عن سياسة التقشف والتحكم في النفقات، فهنا أيضاً يحق لنا أن نسأل، وبكل حسن نية:

ما المقصود تحديداً بهذه السياسة عندما يتعلق الأمر بالمستخدمين؟

هل التقشف، يعني عقلنة المصاريف، والحد من النفقات غير الضرورية؟

أم أنه يعني، في نهاية المطاف، التضييق على التحفيزات والمكافآت والتعويضات التي يستفيد منها المستخدمون في إطار ما تسمح به القوانين والأنظمة الجاري بها العمل؟

لأن الموظف، لا يمكن أن يتحول إلى الحلقة الأسهل في معادلة التقشف.

فإذا كانت هناك مقتضيات قانونية أو تنظيمية أو اتفاقات داخلية، تمنح المستخدمين تحفيزات وتعويضات معينة، فإن السؤال المشروع هو:

هل سياسة التقشف تلغي هذه الحقوق؟ أم تؤجلها؟ أم تعيد النظر فيها؟ ومن يملك قانوناً صلاحية اتخاذ مثل هذه القرارات؟

والأهم:

هل التقشف يطبق على الجميع بالقدر نفسه؟

لأن الحديث عن خفض النفقات يصبح أكثر إقناعاً عندما تكون القاعدة واضحة:

نفس التقشف في كل المستويات، ونفس الشفافية في كل المصاريف، ونفس الحرص على المال أينما كان.

أما إذا أصبح معنى التقشف، هو أن الموظف وحده مطالب بشد الحزام، بينما تظل باقي بنود الإنفاق خارج دائرة السؤال، فهنا لا يعود الأمر مجرد سياسة مالية، بل يصبح موضوعاً مشروعاً للنقاش.

خصوصاً أن النشرة المالية نفسها تسجل 434.5 مليون درهم من مصاريف الاستغلال العامة إلى غاية 31 مارس 2026، منها 201.7 مليون درهم كمصاريف للموظفين.

وبالتالي، السؤال ليس ضد التقشف.

السؤال هو: التقشف فين؟ وعلى من؟ وبأي معايير؟

وإذا كانت المؤسسة، تريد فعلاً تخفيض الكلفة، فليكن ذلك واضحاً ومعلناً، وليعرف المستخدمون قبل غيرهم:

ما الذي سيتغير؟ وما الذي سيبقى حقاً مكتسباً؟ وما الذي يسمح به القانون؟ وما الذي تقرر المؤسسة طوعاً التخلي عنه؟

لأن التقشف شيء، وحرمان المستخدم من حقه شيء آخر تماماً.

والفاصل بين الاثنين هو:

القانون، والاتفاقات، والشفافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.