البريد بنك.. حين تصبح «المغادرة الطوعية» إجباراً على البقاء، وحين يصبح الموظف آخر من يعلم!

ضربة قلم
كان يمكن لملف المغادرة الطوعية داخل البريد بنك أن ينتهي بطريقة بسيطة جداً: إعلان، شروط واضحة، دراسة للطلبات، نتائج معلنة، ثم كل واحد يعرف مصيره.
لكن يبدو أن البساطة، في بعض الإدارات، أصبحت ترفاً إدارياً، لا يستطيع الجميع تحمله!
فمنذ أن أُعلن عن العملية في نهاية ماي الماضي، وجد عدد من المستخدمين أنفسهم، أمام نسخة مغربية جداً من مسلسل «انتظرونا في الحلقة المقبلة».
قدموا الطلبات.
انتظروا.
ثم انتظروا أكثر.
ثم جاءت النتائج…
وهنا بدأت المفاجأة.
الأغلبية التي كانت تنتظر كلمة «مقبول» وجدت أمامها كلمة «مرفوض»، دون أن تجد معها تفسيراً مقنعاً.
والسؤال البسيط الذي يطرح نفسه هنا:
إذا كان الطلب مرفوضاً، فلماذا؟
هل لأن صاحب الطلب، صغير في السن؟
لا.
لأن هناك، حسب المعطيات التي تتداولها مصادر مهنية، من تجاوزوا الخمسين، وراكموا أكثر من ثلاثين سنة من الخدمة، ومع ذلك لم يستفيدوا.
هل لأن المؤسسة، تحتاج إلى الاحتفاظ بأصحاب الخبرة؟
ربما.
لكن هنا تظهر مفارقة أخرى: كيف نفسر قبول طلبات مستخدمين، لم يستكملوا حتى عشرين سنة من العمل، ولم يبلغوا الخمسين من العمر؟
وهل أصبح معيار المغادرة الطوعية، هو العمر، أم الأقدمية، أم الحالة الصحية، أم القرعة؟
لا أحد يعرف!
وربما يكون الحل مستقبلاً، أن يتم إرفاق طلب المغادرة الطوعية بخانة جديدة:
«هل تتوفر فيك شروط لم تعلن عنها الإدارة؟ نعم / لا / الله أعلم».
مذكرة تقول شيئاً… والنتائج تقول شيئاً آخر
المشكلة، وفق المعطيات التي عرضتها «ضربة قلم» في موادها السابقة، لا تكمن فقط في رفض الطلبات، وإنما في غياب الوضوح حول المعايير، التي تم اعتمادها في الانتقاء.
وحسب المعطيات المتداولة، فإن المذكرة المنظمة للعملية، لم تكن تضع شروطاً تفصيلية، تجعل الأمر أشبه بمسابقة ولوج إلى مؤسسة عمومية، باستثناء إقصاء المقبلين على التقاعد خلال 2026 و2027.
إذا كان الأمر كذلك، فمن حق المستخدم الذي أمضى ثلاثة عقود داخل المؤسسة، أن يسأل:
ماذا ينقصني؟
ومن حق مستخدم لديه ملف صحي، يثبت صعوبة الاستمرار، تحت ضغط العمل أن يسأل:
إذا كانت المغادرة الطوعية لا تشمل وضعيتي، فما الذي يشملها؟
ومن حق المستخدم الأصغر سناً الذي قُبل طلبه، أن يسأل أيضاً:
ما هو المعيار الذي جعلني أخرج بينما بقي غيري؟
والأهم من كل ذلك:
من اتخذ القرار؟
القرار موجود… ولكن التوقيع يبدو في إجازة!
الأكثر إثارة في الملف، حسب ما أوردناه، هو أن عدداً من المستخدمين لم يتوصلوا ـ حسب ما تنقله المادة ـ بتبرير كتابي واضح لرفض طلباتهم، فيما جرى، وفق الرواية المنشورة، تبادل المسؤوليات بين المركز والجهات.
وهنا نصل إلى واحدة من أجمل الألعاب الإدارية على الإطلاق:
لعبة «ليس أنا»!
اسأل المسؤول المركزي:
— لماذا رُفض طلبي؟
يقال لك:
— اسأل المدير الجهوي.
تذهب إلى المدير الجهوي.
— المدير الجهوي يقول لك:
— القرار ماشي عندي.
ترجع إلى المركز.
— المركز يقول:
— ربما وقع سوء فهم.
وفي النهاية، يصبح المستخدم مثل ذلك المواطن الذي دخل الإدارة، يبحث عن وثيقة، فخرج بوثائق كثيرة…
إلا الوثيقة التي جاء من أجلها!
«المغادرة الطوعية»… أم «البقاء الإجباري»؟
المفارقة أن المؤسسة نفسها، اختارت اسم المغادرة الطوعية.
لكن بعض المستخدمين، بحسب ما ينقل الملف، أصبحوا أمام وضعية غريبة:
هم يريدون المغادرة، والإدارة تريدهم أن يبقوا، لكن الإدارة لا تقول لهم لماذا.
وهنا يصبح السؤال:
هل هي مغادرة طوعية فعلاً؟
أم أنها مغادرة طوعية بموافقة إجبارية من الإدارة؟
لأن الطوعي، في أبسط تعريفاته، يفترض أن تكون الإرادة واضحة.
أما أن تقول للمستخدم:
«قدم طلبك، وسنخبرك لاحقاً، إن كنت تستحق أن تغادر»…
فهذه ليست بالضرورة، مغادرة طوعية.
هذه أقرب إلى:
«انتظر قرار اللجنة التي تعرف لماذا ستبقى، لكنها لا تريد أن تقول لك لماذا!»
ومن يدفع ثمن الحسابات؟
هنا ندخل إلى الجزء الأكثر حساسية.
المعطيات التي تتداولها أوساط مهنية، والتي تحتاج بطبيعة الحال، إلى توضيح رسمي من إدارة البريد بنك، تتحدث عن ارتباط تقليص عدد المستفيدين من المغادرة الطوعية، بالغلاف المالي المرصود للعملية.
ووفق الرواية التي قدمتها، فإن قراراً بتقليص هذا الغلاف قد يكون ارتبط بتطور النتائج المالية للمؤسسة.
لكن هنا ينبغي التمييز بين المعلومة المؤكدة والمعلومة المتداولة.
فالبيانات الرسمية المتاحة التي تمكنت من التحقق منها تشير إلى أن البريد بنك أنهى سنة 2025 بنتيجة صافية، بلغت 930.5 مليون درهم، بارتفاع 61.7%، مع ناتج بنكي صافٍ بلغ 3.2 مليارات درهم.
وبالتالي، تقول بعض المصادر إن هناك تراجعاً بـ40% في الربع الأول من 2026.
لكن السؤال يبقى مشروعاً:
إذا كانت هناك بالفعل مراجعة للغلاف المالي المخصص للمغادرة الطوعية، فما أسبابها؟
وهل لها علاقة بالنتائج المالية؟
أم أن الأمر يتعلق بتدبير الموارد البشرية؟
أم بإعادة ترتيب الأولويات؟
أم أن هناك حسابات أخرى، لا يعرفها المستخدمون؟
هنا بالضبط يفترض أن تتكلم الإدارة.
وبالأرقام.
ولا بـ«سول فلان».
اختفاء الأرقام… هل هو لغز أم مجرد تحديث للموقع؟
ومن بين النقاط التي تحتاج إلى توضيح كذلك، ما يتم تداوله بشأن اختفاء أو عدم توفر بعض البيانات المالية الحديثة، على الموقع الرسمي.
والمثير هنا أن الموقع الرسمي للبنك، يعرض بشكل واضح نتائج سنة 2025، فيما لم نتمكن من التحقق من نشر حصيلة مالية رسمية للربع الأول من 2026، تثبت نسبة التراجع المتداولة بـ40%.
وهذا يجعل سؤالنا أكثر بساطة:
أين نتائج 2026؟
إذا كانت الأرقام جيدة، فلتُنشر.
وإذا كانت غير جيدة، فلتُنشر أيضاً.
فالأرقام، لا تحتاج إلى مكياج.
الرقم إما طالع… أو هابط.
أما محاولة معرفة وضع المؤسسة، من خلال «اختفاء» أو «ظهور» الملفات في الموقع، فتجعل المتابع، يشعر أنه يتابع مباراة في كرة القدم، لكن لوحة النتائج موجودة في مكتب الحكم!
طنجة… الموسيقى الأندلسية و«الاقتصاد في النفقات»
ثم نصل إلى طنجة.
وهنا يصبح المشهد أكثر طرافة.
فوجود رئيس البريد بنك بمدينة طنجة تزامن، وفق المعطيات المتداولة، مع أجواء مهرجان موسيقي أندلسي مغربي، وهي مناسبة فنية، لا علاقة لنا هنا بتفاصيلها، ولا بما إذا كان حضوره مرتبطاً بها أم لا.
لكن اللافت، في سياق هذا الملف، أن تزامن وجوده بالمدينة مع الحديث عن ترشيد النفقات وتقليص بعض المصاريف، فتح الباب أمام مفارقة تستحق التوقف عندها.
فالإيقاع المالي، هذه المرة، كان مختلفاً تماماً عن الإيقاع الأندلسي!
وبحسب المعطيات التي تحتاج إلى تأكيد من الإدارة، عقد الرئيس لقاءً مع مديري وكالات طنجة، في اجتماع قيل، إنه لم يكن مبرمجاً، وتحدث عن وقف أو تقليص بعض المصاريف، ومن بينها ما يرتبط بمنحة التحفيز التي يقول مستخدمون، إنها تأخرت لأكثر من سنة.
وهنا لا بد من طرح السؤال:
إذا كانت المؤسسة تريد ترشيد النفقات، فهذا مفهوم من حيث المبدأ.
لكن لماذا يبدأ التقشف دائماً من جيب المستخدم؟
هل أصبح المستخدم هو «النفقات غير الضرورية»؟
هل منحة التحفيز هي التي صنعت العجز؟
هل الموظف الذي قضى سنوات، وهو يستقبل الزبناء، ويحقق الأهداف التجارية، هو المشكلة؟
أم أن هناك مصاريف أخرى أكبر وأثقل وأولى بالمراجعة؟
هنا أيضاً ننتظر الأرقام.
«كحجة وحاجة»… ولكن ماذا عن الموظف؟
أما الاجتماع غير المبرمج، فإن صحّت هذه المعطيات، فيطرح بدوره سؤالاً بسيطاً:
لماذا لم يكن مبرمجاً؟
وهل كانت هناك حاجة مستعجلة، للقاء مديري الوكالات؟
وإذا كان الهدف هو إبلاغهم بسياسة جديدة لترشيد النفقات، فلماذا، لم تتم العملية عبر قنوات الإدارة المعتادة؟
ثم هناك سؤال أكثر طرافة:
هل جاء الرئيس إلى طنجة بسبب الاجتماع… أم جاء الاجتماع، لأن الرئيس كان في طنجة؟
هنا يمكن أن تتكفل الموسيقى الأندلسية بالباقي!
ففي الإدارة، كما في الموسيقى، هناك مقامات.
هناك مقام «المصاريف».
ومقام «التحفيز» المرتبط بالتنقل إلى طنجة…
ومقام «المغادرة الطوعية».
ومقام آخر، يبدو أنه أصبح الأكثر عزفاً:
مقام «انتظر حتى إشعار آخر».
لكن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه
بعيداً عن السخرية، هناك سؤال جوهري يفرض نفسه:
هل يتحمل المستخدمون نتائج أي اختلال محتمل في التدبير؟
إذا كانت المؤسسة، تحقق نتائج جيدة، فالمستخدم يستحق الاعتراف بجهده.
وإذا كانت المؤسسة، تمر بمرحلة صعبة، فمن حق الإدارة، أن تتخذ إجراءات لتصحيح المسار.
لكن في الحالتين، يجب أن يكون هناك شيء اسمه:
الوضوح.
لا يمكن أن يطلب من الموظف، أن يتحمل ضغط الأهداف، وضغط الزبناء، وضغط العمل، ثم عندما يتعلق الأمر بحقه، في معرفة مصير طلبه، يقال له:
«ما عندناش جواب دابا».
ولا يمكن أن تتحول المغادرة الطوعية، إلى ملف مغلق بلا معايير معلنة.
ولا يمكن أن يصبح تقليص النفقات، عنواناً عاماً، بينما لا يعرف المستخدمون أين يبدأ التقشف وأين ينتهي.
«ضربة قلم» لا تحتاج إلى ورقة وقلم… بل إلى أجوبة
لقد سبق لـ«ضربة قلم» أن فتحت أكثر من نافذة على ملفات داخل البريد بنك، من المغادرة الطوعية إلى مستحقات التقاعد إلى الخلافات التي وصلت، وفق ما نشرته المنصة، إلى القضاء.
كما أثارت في غشت، ملف تراكم القرارات والملفات التي تنتظر توقيع الإدارة، متسائلة عن طبيعة تدبير المؤسسة.
وهذه المرة، السؤال ليس موجهاً إلى موظف صغير، ولا إلى مدير وكالة، ولا إلى مدير جهوي.
السؤال موجه إلى الإدارة المركزية:
ما هي معايير قبول ورفض طلبات المغادرة الطوعية؟
كم عدد الطلبات؟
كم عدد المقبولين؟
كم عدد المرفوضين؟
ما هي أسباب الرفض؟
هل توجد لجنة مركزية للبت؟
وهل تم تغيير الغلاف المالي المخصص للعملية؟
وإذا تم تغييره، فلماذا؟
وهل لذلك علاقة بالنتائج المالية للمؤسسة؟
وأين هي آخر البيانات المالية؟
وماذا عن منحة التحفيز؟
ومتى ستصرف؟
وإذا كانت كل هذه الأسئلة، لها أجوبة واضحة، فالأمر بسيط جداً:
أعطونا الأجوبة، ونغلق الملف.
أما ترك المستخدمين يتخبطون بين الروايات، فهذا لا يخدم لا الإدارة، ولا الموظفين؛ ولا صورة المؤسسة.
والخلاصة… «الطوعي» يحتاج إلى قليل من الشجاعة الإدارية
قد يكون البريد بنك مؤسسة قوية.
وقد تكون نتائجه المالية جيدة.
وقد تكون الإدارة، بصدد تنفيذ خطة لإعادة هيكلة الموارد والنفقات.
وكل ذلك، يمكن أن يكون مشروعاً ومفهوماً.
لكن الإدارة الحديثة، لا تقاس فقط بالأرباح.
تقاس أيضاً بطريقة التعامل مع الإنسان الذي يصنع تلك الأرباح.
لأن الموظف، ليس رقماً في جدول الموارد البشرية.
وليس خانة في Excel.
وليس تكلفة، ينبغي حذفها عندما تضيق الحسابات.
هو الذي يقف خلف الشباك.
هو الذي يستقبل الزبون الغاضب.
هو الذي يشتغل، تحت ضغط الأهداف.
وهو الذي أمضى عشرين وثلاثين سنة، من عمره داخل المؤسسة.
ولهذا، عندما يطلب المغادرة، من حقه أن يعرف لماذا قيل له:
«لا».
وإذا كان السبب مالياً، فليقال.
وإذا كان السبب إدارياً، فليقال.
وإذا كان السبب استراتيجياً، فليقال.
أما أن يبقى الموظف واقفاً، أمام باب الإدارة، ينتظر جواباً لا يأتي، بينما الملفات، تنتقل من مكتب إلى مكتب…
فهنا لا تعود المشكلة في المغادرة الطوعية.
المشكلة تصبح في الإدارة التي لا تعرف كيف تقول للناس لماذا يبقون… ولماذا يغادر الآخرون.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن يعزف في طنجة، بعد الموسيقى الأندلسية، هو لحن إداري جديد عنوانه:
«أعطونا المعايير… واتركوا للموظف حقه في معرفة مصيره.»
لأن «المغادرة الطوعية» بلا معايير واضحة، قد تتحول ببساطة إلى شيء آخر تماماً:
المغادرة طوعية في الاسم… والإجبارية في الانتظار!
وفي انتظار اكتمال عناصر الموضوع، سنعود إليه بكل التفاصيل والمعطيات، لأن الحكاية، كما يبدو، لم تنتهِ بعد… بل ربما تكون قد بدأت للتو.




