البريد بنك وقمة الاستهتار بحقوق الموظفين: أموال التقاعد تُقتطع من أجور المستخدمين.. فمن يحتفظ بها قبل وصولها إلى RCAR؟

ضربة قلم
هناك نوع من «الاستقلالية» يبدو جميلاً في الشعارات، لكنه يصبح أقل جمالاً عندما، يصل الأمر إلى حقوق المستخدمين.
فبحسب المعطيات المتداولة داخل أوساط مستخدمي البريد بنك، فإن واجبات الانخراط لدى صندوق منح رواتب التقاعد RCAR، لم تُسوَّ منذ بداية سنة 2026، فيما تعود آخر تسوية، وفق هذه المعطيات، إلى دجنبر 2025.
وهنا يطرح المستخدمون سؤالاً بسيطاً، لكنه ثقيل الوزن:
إذا كانت اقتطاعات التقاعد تُنتزع من الأجور كل شهر دون تأخير، فأين تذهب الأموال، بعد أن تغادر جيوب أصحابها؟
فالغريب أن الاقتطاع الإداري، يعرف موعده بالدقيقة، بينما يبدو أن تحويل الأموال إلى صندوق التقاعد، يحتاج إلى شيء من «الصبر الجميل».
أموال بالملايين.. وأسئلة بالمليارات!
لنأخذ الحساب التقريبي المتداول.
إذا كان متوسط الاقتطاع من المستخدم في حدود 500 درهم، وكانت مساهمة المشغل ضعف ذلك، أي نحو 1000 درهم، فإن مجموع المساهمة يبلغ 1500 درهم عن كل مستخدم شهرياً.
وباحتساب 4000 مستخدم، نصل إلى:
6 ملايين درهم شهرياً، أي 600 مليون سنتيم.
وخلال ثمانية أشهر، نتحدث نظرياً عن حوالي:
48 مليون درهم، أي 4.8 ملايين درهم؟
لحظة!
هنا حتى الآلة الحاسبة، قد تطلب محامياً.
فالحساب الصحيح هو:
6 ملايين درهم × 8 أشهر = 48 مليون درهم، أي 4.8 مليارات سنتيم.
وهذا كله، طبعاً، حساب تقديري مبني على الأرقام المتداولة، وليس كشفاً محاسبياً رسمياً.
لكن حتى الحساب التقديري، قادر على إنتاج سؤال رسمي:
أين توجد هذه الأموال، إن كانت فعلاً لم تُحوَّل؟
وهل توجد في حسابات المؤسسة؟ وهل تم تخصيصها؟ وهل جرى استعمالها في أغراض أخرى؟ أم أن الأمر مجرد تأخر إداري ينتظر التسوية؟
لا أحد يتهم أحداً.
لكن عندما يتعلق الأمر بأموال اقتُطعت من أجور المستخدمين، فإن السؤال ليس جريمة، وطلب الشفافية ليس تمرداً.
القانون لا يعرف «غداً إن شاء الله»
الأمر لا يتعلق هنا، بتأدية فاتورة كهرباء أو شراء لوازم مكتبية.
نحن أمام مساهمات، مرتبطة بحقوق تقاعدية.
والتشريع المنظم لـRCAR يحدد آجال أداء المساهمات، كما يرتب عن التأخير زيادة بنسبة 6 في المائة سنوياً يتحملها المشغل.
وهنا يظهر سؤال ساخر إلى حد المرارة:
إذا كانت الإدارة هي التي تأخرت، فمن سيدفع ثمن التأخير؟
المستخدم الذي اقتُطع من أجره؟
كلا.
المتقاعد الذي ينتظر معاشه؟
طبعاً لا.
إذن ستدفع المؤسسة.
ومن أين؟
من ميزانيتها.
أي أن الخطأ الإداري، إذا ثبت، يمكن أن يتحول في النهاية، إلى تكلفة مالية تتحملها المؤسسة.
وهنا لا يعود السؤال:
«لماذا تأخر الأداء؟»
بل يصبح:
«لماذا ندفع أصلاً غرامة كان يمكن تفاديها؟»
التقاعد ليس «رصيداً افتراضياً»
الأخطر من المال هو الحق.
فالمستخدم، لا يريد أن يسمع بعد سنوات:
«هناك أشهر، لم تظهر في حسابك.»
ولا يريد أن يدخل في متاهة:
طلب، ثم وثائق، ثم مراسلة، ثم لجنة، ثم انتظار، ثم «سنعود إليك لاحقاً».
فالمستخدم الذي اقتُطعت مساهمته، لا ينبغي أن يتحول إلى محقق خاص، يبحث عن أثر ماله.
إنها مسؤولية المؤسسة، وليست هواية للمستخدم.
وإذا كانت هناك مساهمات لم تُؤدَّ فعلاً، فمن حق كل مستخدم، أن يعرف وضعية حسابه لدى الصندوق، وأن يحصل على تسوية واضحة وموثقة، دون أن يُطلب منه أن يدفع ثمن خطأ لم يرتكبه.
وما معنى الاستقلالية إذن؟
هنا نصل إلى السؤال الذي يبدو أكثر إزعاجاً:
ما فائدة استقلال البريد بنك عن بريد المغرب، إذا كانت الاستقلالية؛ لا تنتج سوى مزيد من المشاكل؟
الاستقلالية، ليست لافتة تُعلّق على الباب.
وليست، شعاراً في التقارير السنوية.
وليست مثل شعارات الحملات الانتخابية، التي تبدأ بالوعود، وتنتهي عند صناديق الاقتراع.
الاستقلال الحقيقي هو القدرة على إدارة المؤسسة بكفاءة.
هو أن تكون الموارد البشرية في يد أطر، تعرف قوانين المؤسسة، وأنظمتها الأساسية، وخصوصياتها، وتعرف الفرق بين تدبير البشر وتدبير الملفات.
أما أن يصبح المستخدم هو من يشرح للإدارة حقوقه، ويذكرها بالنظام الأساسي، ويسألها عن التقاعد، ويلاحق تسوية ملفه، فهنا يصبح السؤال مشروعاً:
من يدير من؟
الموارد البشرية ليست «مكتباً لتدوير الملفات»
تدبير آلاف المستخدمين داخل مؤسسة بنكية، ليس وظيفة هامشية.
إنها مسؤولية استراتيجية.
فمديرية الموارد البشرية، ليست مجرد مكان، لإعداد الأجور والعطل والرخص.
إنها الجهة التي يفترض أن تحمي التوازن بين المؤسسة ومستخدميها، وأن تعرف القوانين والأنظمة، وأن تستبق النزاعات قبل أن تولد.
أما أن تتراكم المشاكل، ثم يُطلب من المستخدم الصبر، ثم المزيد من الصبر، ثم الصبر على الصبر، فهذه ليست حكامة.
هذه وصفة جاهزة لصناعة الاحتقان.
والاحتقان، حين يجد ملفاً مادياً يتعلق بالأجور والتقاعد والحقوق، لا يحتاج إلى كثير من الوقود.
إلى رئيس الإدارة الجماعية: افتح الملف قبل أن تفتحه المحكمة
المطلوب ليس المستحيل.
لا نريد مؤتمراً صحفياً.
ولا نريد خطباً عن الحكامة والتحول الرقمي والتميز المؤسسي.
نريد فقط:
كم اقتُطع؟
كم أُدّي؟
عن أي أشهر؟
ما المتأخر؟
لماذا تأخر؟
ومتى ستتم التسوية؟
ثم سؤال أخير، وربما هو الأهم:
إذا ترتبت غرامات بسبب التأخير، فمن سيتحملها؟
هذه ليست أسئلة ثورية.
لكنها تصبح ثورية في مؤسسة، تعوّد فيها البعض على أن يبقى المستخدم آخر من يعلم.
ومما لا شك فيه، أن الصمت لم يعد حلاً، أما ترك آلاف المستخدمين أمام علامات الاستفهام، فذلك أخطر من أي مقال.
لأن الثقة لا تُبنى بالشعارات، ولا بالبلاغات اللامعة، وإنما بالأرقام والشفافية واحترام الحقوق.
وفي النهاية، هناك قاعدة بسيطة:
من يقتطع مال المستقبل من راتب الموظف، عليه أن يضمن وصوله إلى مستقبل الموظف.
أما أن يصل الاقتطاع في موعده، ويتأخر التقاعد، فهذه ليست استقلالية.
هذه استقلالية عن المنطق نفسه.



