البلاد عامرة بالمحاكم والناس مازالين طيبين؟ يا ليل الطيبة إن عَمّ الظلم!

ضربة قلم
قال صاحبنا الظريف، وهو ممن تعودوا التنظير المجاني في المقاهي وجلسات الكسكس الجماعي، إن “أهل المنطقة الفلانية كلهم طيبين”، نطقها هكذا بثقة من يوزّع الشهادات على البشر كما توزّع المساعدات الغذائية في شهر رمضان، دون تمحيص ولا طوابير انتظار. رمقته بنظرة تشبه ابتسامة مشروطة وقلت له بهدوء لا يخلو من نبرة خفيفة من السخرية: “واش فعلا المنطقة ما فيها لا محكمة ولا كوميسارية؟” فأجاب الرجل باستغراب العارف: “لا لا، عندهم كلشي، المحكمة، البوليس، حتى مركز الدرك”. هنا تنهدت وقلت له: “آه، إذن، فالمنطقة ماشي جنة فوق الأرض، كاين ظالم وكاين مظلوم، وبما أن عندهم محكمة، فكاين شي ناس كيضربو الطريق مع الفجر باش يجيّدو الرخص وشي آخرين كيسناو الحُكم، وكلها وهمّو”.
الحقيقة يا سادة، أن الحديث عن “ناس طيبين” بهذه العمومية المريحة يشبه القول إن “الشمس لا تغرب في الصيف”، وهي جملة صحيحة على الورق، لكن الواقع يثبت أن كثيرًا من الناس قد يحترقون تحت هذه الشمس، سواء في الصيف أو الشتاء. الطيبة، في آخر المطاف، صارت مثل الحظ، إن وُجدت فلن تضمن لك شيئًا، وإن غابت فقد تتهمك المحكمة بتخريب ممتلكات عمومية فقط لأنك أزلت بحركة غريزية قنينة بلاستيكية من تحت عجلة سيارة.
خذ مثلا العاصمة الاقتصادية، هذه المدينة التي يُفترض أنها تقود قاطرة البلاد نحو التنمية، لكنها في الحقيقة تقود المواطن نحو “الدوخان”، ليس مجازًا، بل بشكل فيزيولوجي حقيقي. يكفيك أن تمر بجوار محكمة من محاكمها – أي محكمة، اختر ما تشاء من الزجرية، المدنية، التجارية، الإدارية، وحتى محاكم الأسرة التي تبدو كأنها مسارح لتراجيديا العلاقات الإنسانية – حتى تشهد بأم عينيك طوابير بشرية تشبه الحشود في أيام العيد الكبير، الكل ينتظر، الكل متوتر، والكل مهدد بأن يتحول من متقاضٍ إلى متهم فقط لأنه تكلم بصوت مرتفع أو طلب من عون قضائي أن “يخوي عليه”.
هنا، ترى المحامي يلهث بين القاعات، ملف في يده وسندويتش في اليد الأخرى، كأنما يتسابق مع الزمن ليصل قبل أن يلفظه القاضي من الجلسة. ترى النساء، بعضهن بحجاب وبعضهن بأعين حمراء من البكاء، ينتظرن إنصافا لا يأتي إلا مشروطا بكثرة الأوراق وقوة الملف، أو ربما بقدرة المحامي على رفع صوته في القاعة ببلاغة تهزّ الجدران. أما المتهم، فقد يكون بريئا، لكنه يملك وجها لا يبعث على الثقة، وهنا تبدأ المتاعب.
القاعات نفسها، لا تختلف كثيرًا عن الفصول الدراسية المهجورة: ميكروفونات تصدر أصواتًا تشبه زئير الحيتان، نوافذ لا تفتح ولا تُغلق، وتكييف غائب عن الخدمة منذ الاستقلال. وإذا كان حظك نحسا، قد تحضر جلسة ممتدة حتى الظهيرة، ليقول لك القاضي إن الملف “محجوز للتأمل”، وهي عبارة أنيقة تعني أنك ستنتظر شهرا آخر، وربما دهرا آخر، لتعرف إن كنت مجرما أم ضحية أم مجرد رقم زائد في جدول الجلسة.
أما إذا قررت أن تبحث عن “الطيبين” في هذه الفوضى، فقد تجدهم… نعم، تجدهم في الكافيتريا، يحتسون قهوة سوداء ويمضغون الأخبار مثل العلكة. يحدثونك عن ملفاتهم، عن القاضي الجديد، عن المحامي الذي “ما دار والو”، عن كتابة الضبط التي أضاعت الوثائق للمرة الخامسة، وعن القاعة رقم 4 التي “ما كتخدمش”، وعن الصلح الذي صار تجارة، وعن الحق الذي يُستخرج كأنك تنقب عليه في منجم نحاس مغربي.
فكيف بعد هذا تريدنا أن نصدق أن هناك منطقة خالية من المشاكل، عامرة بالطيبين؟ حتى في الجنة – حسب الكتب – كان فيها إبليس وآدم والتفاحة. والبلاد كلها، من طنجة إلى الكويرة، عندها محاكم ومخافر شرطة ودرك ملكي وسدود قضائية ومكاتب شكايات ومراكز استماع ومبادرات تسوية ودور وساطة وصناديق رمزية للعدل والمساواة… ومع ذلك، تجدك تصرخ في منتصف النهار: “فين غاديين بهاد البلاد؟”.
الواقع أن الطيبين موجودون فعلاً، لكنهم مثل الديناصورات: يقال إنهم عاشوا هنا ذات زمن، لكن لا أحد رآهم فعلا. والبقية؟ خليها على الله.




