البلَدَاء… سادة الغباء المتوَّج

م-ص
ما أكثر ما يُصادفك أحدهم في جلسة عابرة، فيرفع حاجبيه وكأنه اكتشف نظرية فيزياء جديدة، ثم يبدأ في توزيع “فتات حكمته” على الحاضرين، كمن يمنّ على الفقراء بصدقة باردة. يلوك الكلمات كعلكة فقدت طعمها منذ سنوات، لكنه يتوهّم أن كل من حوله مأخوذون بعبقريته النادرة.
البلَدَاء قوم عجيبون؛ إذا صمتوا، ظنوا أن صمتهم فلسفة، وإذا تكلموا، أقاموا الدنيا ولم يقعدوها على كلمات جوفاء تشبه الطبول الفارغة. إنهم يتقنون فنّ الادعاء، ويعشقون رياضة احتقار العقول. تراهم يرمقونك بنظرات ازدراء، وكأنك مجرد صفحة بيضاء تنتظر أن يخربشوا فوقها حِكمهم المسروقة من مقالات قديمة أو من أحاديث مقاهي.
البلَدَاء يعتقدون أن السخرية من ذكاء الآخرين تعلي من شأنهم، بينما الحقيقة أنهم مثل أقزامٍ يقفون على الكراسي ليوهموا الناس أنهم عمالقة. كلما فتحوا أفواههم، انسكب الغباء في الهواء كدخان رخيص، يلوّث الأجواء ويخنق أنفاس الجالسين.
ويا للمفارقة! هؤلاء أنفسهم يظنون أن كل من يصغي بصمت “غبي”، وأن كل من يخالفهم “حسود”، وأن كل من يبتسم في وجوههم “منافق”. إنهم أشبه بطيور حمقاء ترى انعكاسها في الماء فتظن أنها أسرت العالم بجمالها.
البلَدَاء لا يعيشون مع الناس، بل يعيشون ضد الناس. لا يتنفسون هواءً نقيًا، بل يتنفسون أوهامًا سامة. حياتهم سلسلة من مشاهد مسرحية رديئة، يتقمصون فيها دور “العباقرة المظلومين”، بينما الجمهور يضحك سرًا من سذاجتهم الفاقعة.
أما الأذكياء الحقيقيون، فهم أبعد ما يكونون عن هذه الضوضاء. يكتفون بالابتسام وهم يرون البلَدَاء يتبارون في بطولة العالم للغباء، حيث لا ميداليات ذهبية ولا فضية، بل جوائز من “احتقار الآخرين” و”ادعاء الفهم”. ولأن الزمن لا يرحم، سرعان ما يطويهم كما يطوي الريح أوراقًا يابسة، فلا يبقى من ضجيجهم سوى غبار يتلاشى في الهواء.
إن أسوأ ما في البلَدَاء ليس غباؤهم، بل اعتقادهم الراسخ أن الآخرين أكثر غباءً منهم. وهذه جريمة مضاعفة: غباء في الفهم، وغرور في التقييم، واحتقار للناس يفضح فراغهم الداخلي.
فلتضحكوا ما شئتم، أيها البلَدَاء، ولتحتقروا ما شئتم، فالعقول الكبيرة لا تتأثر بثرثرة صغار العقول. أنتم مجرد ظلال هزيلة، تظن نفسها شمسًا. ومتى غربت أوهامكم، لن يتذكركم التاريخ إلا كفاصل كوميدي في مسرحية الحياة.





https://shorturl.fm/p5c6J
https://shorturl.fm/hwgIA