الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

التاريخ أكبر شاهد: من رمال تندوف إلى أروقة واشنطن… الجزائر بين تعثر البندقية وارتباك الدبلوماسية

ضربة قلم

هناك لحظات في تاريخ الدول لا تُنسى. لحظات تصمت فيها المدافع، لكن لا يصمت صدى الهزيمة. وحين نعود إلى حرب الرمال سنة 1963، نجد أنفسنا أمام واحدة من تلك الصفحات التي حاولت الجزائر طيّها سريعًا… بينما ظلّ المغرب يقرأها بهدوء المنتصر.

بعد عام واحد فقط من استقلال الجزائر، اندلعت المواجهة على الحدود الشرقية للمغرب. كانت الجزائر خارجة لتوّها من حرب تحرير طويلة، وجيشها لا يزال يتشكل من مقاتلين انتقلوا من حرب العصابات، إلى جيش نظامي بين ليلة وضحاها. في المقابل، كان المغرب يتحرك برؤية واضحة بخصوص حدوده، رغم أن فرنسا تتحمل كامل المسؤولية التاريخية في تشويه الحدود.

المغرب لم يصرخ كثيرًا، ولم يرفع شعارات نارية، ولم يعلن عن “المعركة الكبرى”، لكنه دخل المواجهة بثبات. النتيجة كانت حاسمة: اعتُقل قادة الجيش الجزائري، ومنهم شنقريحة، وتراجع الجيش الجزائري في عدة نقاط حدودية، مع اللجوء إلى الوساطات العربية والإفريقية لوقف إطلاق النار. حرب قصيرة، نعم، لكنها كانت كافية لتترك في الذاكرة الجزائرية عبارة تختزل شعور الصدمة، بل قالوا: “حكرونا المروك”.

قد يحاول البعض التقليل من أهمية تلك المواجهة، أو إعادة صياغتها بلغة رمادية، لكن الحقيقة الثابتة أن الجزائر لم تفرض واقعًا عسكريًا جديدًا، ولم تنتزع شبرًا إضافيًا، بل خرجت تبحث عن مخرج سياسي سريع. أما المغرب، فقد اكتفى بما تحقق ميدانيًا، وعاد إلى موقعه دون ضجيج.

وهنا المفارقة:
دولة تأسست على شرعية الثورة، وجدت نفسها بعد سنة واحدة فقط، أمام اختبار عسكري لم يكن في صالحها.

لكن القصة لا تنتهي في رمال الستينات.

بعد عقود، انتقل الصراع من الخنادق إلى أروقة الأمم المتحدة، ومن هدير المدرعات إلى همسات الدبلوماسية. ملف الصحراء المغربية، أصبح العنوان الأكبر في العلاقات المغربية الجزائرية. الجزائر اختارت أن تجعل منه قضيتها المركزية، وأن تستثمر فيه سياسيًا وإعلاميًا وماليًا لعقود طويلة.

المغرب، مرة أخرى، اشتغل بهدوء.

قد لا يظهر التحول بين ليلة وضحاها، لكن السياسة مثل الماء… تنحت الصخور بصبر. شيئًا فشيئًا، بدأ ميزان الاعترافات يميل. قنصليات تُفتح في الأقاليم الجنوبية. دعم متزايد لمقترح الحكم الذاتي. تحولات في مواقف قوى كبرى.

والضربة التي آلمت أكثر لم تكن عسكرية، بل دبلوماسية.

حين وجدت الجزائر نفسها أمام واقع دولي يتغير، وحين أصبح الخطاب الذي كانت تروّجه لعقود، أقل جاذبية في العواصم المؤثرة، بدا المشهد كأن التاريخ يعيد نفسه بطريقة مختلفة: ارتباك في التقدير، وتصلب في الموقف، وعزلة نسبية في لحظة تحتاج إلى براغماتية.

من رمال 1963 إلى قرارات العقد الأخير، خيط واحد يربط المشهدين:
المغرب يتحرك بصمت طويل… ثم يحصد النتائج.

قد لا يحب البعض هذا التوصيف، وقد يفضّل سردية مغايرة، لكن السياسة لا تُقاس بالشعارات، بل بالمحصلة. في الحرب القصيرة، لم يتغير الأمر لصالح الجزائر. وفي المعركة الدبلوماسية الطويلة، لم تنجح الجزائر في فرض رؤيتها كخيار وحيد أمام المجتمع الدولي.

السؤال الذي يبقى مفتوحًا:
هل المشكلة في المعركة نفسها… أم في طريقة قراءة موازين القوة؟

التاريخ لا يرحم من يبالغ في تقدير ذاته، أو يسيء تقدير خصمه. والمغرب، في المحطتين معًا، اختار أن يتكلم أقل… ويشتغل أكثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.