الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

التحرش في النقل العمومي: الصمت الموجع لموضوع يومي يطول آلاف المغربيات

ضربة قلم

رغم أن قضية التحرش الجنسي في المغرب باتت تحضر بقوة في النقاش العام، إلا أن النقل العمومي يظل فضاءً صامتًا، تتكرر داخله مآسٍ صغيرة كل يوم، لا تجد من يوثقها إلا النظرات الخائفة أو التنهدات المقهورة. آلاف المغربيات، من عاملات وموظفات وطالبات وحتى تلميذات، يعشن تجربة يومية تتراوح بين التوتر والخوف، وهن يركبن القطارات أو الحافلات أو سيارات الأجرة أو الطرامواي، حيث يتحول الطريق إلى المدرسة أو مقر العمل إلى رحلة محفوفة بالتحرش.
التحرش في النقل العمومي يأخذ صورًا متعددة: من النظرات الوقحة والاقتراب المتعمد، إلى الكلمات السوقية واللمسات الخفية التي غالبًا ما تُمارس في الزحام. وهو ليس مجرد فعل عابر، بل انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية، يزرع في النفوس جرحًا صامتًا. كثير من الضحايا يخترن الصمت، خوفًا من الوصمة أو من ردود فعل المارة الذين يفضلون تجاهل الموقف بدل التدخل.
ورغم أن التشريعات المغربية جرّمت التحرش الجنسي، وأعطت الضحايا الحق في التبليغ والمتابعة، إلا أن الواقع يظهر أن القانون في واد، والممارسة في واد آخر. فالمرأة التي تتعرض للتحرش في حافلة مكتظة، أو في سيارة أجرة مشتركة، قلما تجد الشجاعة لرفع شكاية. الخوف من التشهير، ومن نظرة المجتمع، ومن مسار قضائي طويل ومعقد، يجعلها تفضل الصمت على مواجهة المعركة.
الإشكالية الكبرى أن التحرش في النقل العمومي ليس حادثًا معزولًا، بل ظاهرة متكررة تولّد لدى النساء شعورًا دائمًا بعدم الأمان. كثيرات يعترفن أنهن يغيّرن مسارهن، أو يفضلن وسائل نقل أكثر كلفة، أو حتى يتأخرن عن مواعيدهن لتفادي الاكتظاظ. وهكذا يصبح التحرش ليس فقط عنفًا جسديًا أو نفسيًا، بل أيضًا عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا يدفع ثمنه النساء أكثر من غيرهن.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب ما هو أبعد من النصوص القانونية. تحتاج إلى حزم مؤسساتي من خلال تكثيف المراقبة في الحافلات والطرامواي، وتدريب السائقين والمراقبين على التدخل في مثل هذه الحالات، وإطلاق حملات توعية تشجع النساء على كسر حاجز الصمت. كما يتطلب الأمر إشراك المجتمع نفسه، لأن السكوت الجماعي على التحرش هو ما يمنحه شرعية ضمنية، بينما التدخل الإيجابي من طرف الركاب يمكن أن يضع حدًا له في لحظته.
من جهة أخرى، يجب إدماج التربية على المساواة والاحترام في المناهج التعليمية، فالسلوكيات التي نراها اليوم في النقل العمومي ليست سوى انعكاس لثقافة مجتمعية تعتبر جسد المرأة مجالًا مباحًا للتطفل والانتهاك. بناء وعي جديد يحترم الآخر كإنسان، بعيدًا عن النوع الاجتماعي، هو التحدي الحقيقي.
في النهاية، التحرش في النقل العمومي ليس مجرد “إحراج عابر”، بل هو عنف يومي ممنهج، يصادر حق المرأة في التنقل الآمن ويغتال شعورها بالكرامة. إنه صمت موجع يتكرر كل صباح ومساء، ومعركة يومية لا تراها الكاميرات ولا تصل عناوين الأخبار، لكنها تسكن تفاصيل حياة آلاف المغربيات اللواتي يواجهن الصمت وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.