التحكيم المغربي في قفص الاتهام: قوانين صارمة تُخفي الحقيقة… من دفع بشرى كركوبي إلى الاستقالة؟!

ضربة قلم
في خطوة تبدو، على ظاهرها، حازمة ومنضبطة، أصدرت المديرية الوطنية للتحكيم، التابعة للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، دورية جديدة موجهة إلى الحكام بمختلف درجاتهم، تحمل بين سطورها لغة صارمة، وتعليمات لا تقبل التأويل، هدفها المعلن هو إعادة ترتيب “بيت التحكيم” وترسيخ قواعد الاحتراف والانضباط داخل منظومة ظلت، لسنوات، تحت مجهر الانتقادات والشكوك.
القرار في حد ذاته واضح: لا مرافقين، لا زيارات جانبية، لا مجاملات في مستودعات الملابس، ولا أي اختراق، لما يمكن اعتباره “الفضاء السيادي” للطاقم التحكيمي. كل شيء يجب أن يتم في إطار مغلق، مضبوط، ومحكوم بقواعد دقيقة لا تترك مجالًا للاجتهاد الشخصي أو العلاقات الجانبية. ومن يخالف؟ فالعقوبة جاهزة، والتوصيف واضح: “مخالفة جسيمة”.
لكن، وعلى ضوء هذا التشدد المفاجئ، يحق للمتتبعين أن يطرحوا سؤالًا أكثر عمقًا: هل يكفي إصدار دوريات لتصحيح مسار التحكيم؟ أم أن الأمر يتطلب شجاعة أكبر في كشف الأعطاب الحقيقية؟
ذلك أن الرأي العام الرياضي، ونحن جزء منه، لم يكن ينتظر فقط تعليمات تنظيمية، بل كان ينتظر إجابات صريحة حول ملفات عالقة، وعلى رأسها ما جرى مع الحكمة المغربية بشرى كركوبي، التي اختارت مغادرة الساحة في صمت ثقيل، تاركة وراءها أكثر من علامة استفهام.
كنا ننتظر توضيحًا رسميًا: ما السبب الحقيقي الذي دفعها إلى تقديم استقالتها؟ هل كان قرارًا شخصيًا صرفًا؟ أم نتيجة ضغوط خفية؟ ومن يتحمل المسؤولية إن ثبت أن هناك تجاوزات أو ممارسات دفعتها إلى ذلك؟
بل أكثر من ذلك، كان من المنتظر أن تترافق هذه الصرامة الجديدة مع إجراءات موازية لا تقل أهمية: فتح تحقيقات شفافة، ترتيب المسؤوليات، وفرض عقوبات واضحة -ليس فقط على من يخرق التعليمات الشكلية- بل على كل من تهاون أو تساهل أو تحامل في قراراته داخل رقعة الملعب، وأثر بشكل مباشر على نتائج مباريات، وعلى مصداقية المنافسة ككل.
لأن جوهر الأزمة، كما يراه كثيرون، لا يكمن فقط في من يدخل أو لا يدخل إلى مستودع الملابس، بل في قرارات تُتخذ داخل الملعب، أحيانًا تثير الجدل، وأحيانًا أخرى تشعل الغضب، دون أن نجد لها تفسيرًا مقنعًا أو مساءلة حقيقية.
إن حماية صورة التحكيم الوطني، لا تمر فقط عبر ضبط السلوكيات المحيطة بالحكام، بل أساسًا عبر ضمان نزاهة القرارات التحكيمية نفسها، ومحاسبة كل من يخل بميزان العدالة الكروية، أيًا كان اسمه أو موقعه.
وبين هذا وذاك، تبقى الرسالة الأهم التي ينتظرها الشارع الرياضي: الشفافية أولًا، ثم الشفافية… وبعدها فقط يمكن الحديث عن الانضباط.
أما غير ذلك، فقد يُقرأ -ولو على مضض- كإجراء تجميلي في شكله، لكنه لا يلامس عمق الإشكال.




