الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

التخلص من تركَة إدريس البصري: من الولاة إلى الأقلام المتساقطة

ضربة قلم

عندما تغيّر المشهد السياسي المغربي بقدوم الملك محمد السادس إلى العرش في 1999، كانت خطوة إبعاد إدريس البصري من منصب وزير الداخلية بداية مرحلة انتقالية مهمة في بنية السلطة التنفيذية والإدارية، بعد عقود من النفوذ الأمني المركزي الذي تميّز به نظام الحسن الثاني.

البصري لم يكن مجرد وزير؛ بل كان رمزًا لنمط من السلطة الأمنية التي امتدت إلى كل مستويات الإدارة تقريبًا -ولاة، عمال، قيادات محلية ومديرين عامين في مؤسسات عمومية- وكذلك إلى جزء مهم من المشهد الإعلامي، الذي اعتاد أن يكون متوافقًا أو منسجمًا مع توجيهات دوائر النفوذ.

1. الولاة والعمال: بداية تفكيك الشبكات

كانت الخطوة الأولى في التخلص من تركَة البصري مراجعة مواقع الولاة والعمال الذين ارتبطت مواقعهم بنفوذ البصري بشكل مباشر:

  • تحريك عدد من الولاة والعمال من مواقعهم التقليدية إلى مواقع أقل تأثيرًا، أو إدراجهم في حركة انتقالية أعادت توزيع القوى داخل الإدارة الترابية.

  • إعادة النظر في توليفات معينة كانت تتم عبر الولاء الشخصي، لصالح منطق أكثر مهنية أو ارتباطًا بالاستراتيجية الحكومية العامة.

  • هذا التغيير لم يكن دائمًا «قتل هيكلي» فوريًا، لكنه شكّل تحوّلًا في العلاقات الإدارية داخل الجهات والمحافظات.

النتيجة كانت هشاشة أقل في الإدارة الترابية مقارنة بالمرحلة السابقة، حيث لم يعد القرار الوطني يُحسم في الجهات بإمضاء رجل واحد ونفوذ واحد ممتد عبر سنوات.

2. الوزراء: ابتعاد عن التحكّم الأمني

داخل الحكومة، كانت نظرة النظام تقضي بانتقال من فكرة “الوزير كتنفيذ مباشر لتوجيهات المؤسسة الأمنية” إلى وزير له صلاحيات واسعة في محدّدات السياسة العامة:

  • تقلّص التدخل الأمني المباشر في الملفات الوزارية.

  • تعزيز مهام الوزارات بما يتيح هامشًا أوسع للتخصص التقني والسياسي.

  • تدعيم دور الحكومة كمنظومة تنفيذية متكاملة، لا كأداة تنفيذ لأمن الدولة وحده.

هذه الانتقالات لم تكن دائمًا سلسة أو كامِلة، لكنّها كانت جزءًا من تفكيك إرث نمط السلطة الأمنية الذي ميّز إدارة البصري.

3. المديرون العامون: من ولاءات إلى مؤسسية

داخل المؤسسات العمومية -من شركات وطنية، إلى هيئات اقتصاد كبرى، إلى مؤسسات خدمية- بدأت عملية إعادة هيكلة المناصب القيادية:

  • إخراج من زُعم أنهم مرتبطون بهياكل نفوذ تقليدية.

  • استقدام قيادات جديدة تُعطي أولوية للجانب الإداري والتنموي على الولاءات.

  • محاولة إرساء معايير للحكامة والمساءلة في إدارة هذه المؤسسات.

هذا الانتقال لم يأتِ دفعة واحدة، لكنّه جعَل المدير العام لمؤسسة، لا يكون بالضرورة مرتبطًا «بشبكة ولاءات» بقدر ما يكون ملزمًا بتأدية مهام اقتصادية وإدارية.

4. السياسيون والقياد: تقليص دائرة النفوذ الحصري

المرحلة الانتقالية لم تقف عند الإدارة التنفيذية فقط؛ بل امتدت إلى الطبقة السياسية نفسها:

  • تحوّلات في بنية الأحزاب السياسية وأدوارها.

  • صعود أشخاص وقوى سياسية جديدة قادرة على المناقشة السياسية المفتوحة.

  • تقليص تأثير أطر كانت مرتبطة بطريقة أو بأخرى بفترات سابقة ذات طابع تحفظي أو أمني.

5. الصحافة والأقلام: سقوط منظومة التوجيه والهيمنة

هنا يأتي الجزء الأكثر رمزية وارتباطًا بسؤالك: الصحافة كمرآة للسلطة ولصورة السلطة لديها.

قبل انتهاء عهد البصري، كان هناك فئة من الأقلام الصحفية التي تُعدّ جزءًا من منظومة التوجيه الإعلامي، حيث:

 يُنتظر من هذه الأقلام أن تكتب وفق خطوط معينة،
 تُفرض عليها حدود ما يُكتب وما يُسكت عنه،
تؤطّر الخطاب الإعلامي بما يتوافق مع فهم المؤسسة الأمنية لعمل الصحافة.

هذه الأقلام لم تكن بالضرورة «صحافة مستقلة» بقدر ما كانت أقلامًا مطّلعة على ما يجب قوله وما يجب تجاهله، أو ما يُقال الآن بـ “مُلوَّنَة” للتوافق مع توجيهات السلطة الحاسمة.

السقوط المتسلسل للأقلام الموجَّهة

بعد مرحلة 1999 بدأ يظهر سقوط تدريجي في دور هذه الأقلام على نحو:

  • همّا كتاب كانوا يشغّلون منصات إعلامية كانت تُعدّ منبرًا لـ «الكتابة الموجّهة» بلغة متجانسة مع دوائر السلطة السابقة.

  • تباعًا توقّفت بعض الصحف التقليدية أو تغيرت تركيبتها التحريرية.

  • توارى آخرون من المشهد أو انتقلوا إلى منصات أقل تأثيرًا، أو حتى توقّفوا عن الكتابة نهائيًا.

هذا السقوط لم يكن حدثًا عابرًا؛ بل كان تصفية منهجية لمواقع التأثير الصحفي التي انتعشت بمصادرة الحريات أو تدويرها ضمن نطاق ضيق، وهو ما أنهى “عصر الأقلام المدارة” تدريجيًا.

6. لماذا استمرت هذه الظاهرة بعد رحيل إدريس البصري؟

التحولات التي حدثت بعد ذلك، لم تفرز «جنة حرية كاملة»، لكنّها بالتأكيد حرّرت الفضاء العام تدريجيًا من هيمنة نماذج صحفية كانت ذات ولاءات واضحة، أو مرتبطة بمنطق السلطة التوجيهية التي ميّزت الإدارة والرقابة سابقًا.

أسباب استمرار التراجع في دور ما كان يُستدعى لتوجيهه خارج نطاق المهنة الصحفية:

  • تغيّر النظام السياسي نفسه نحو نمط أكثر انفتاحًا (لو نسبيًا).

  • جمهور إعلامي جديد يرفض الخطاب غير الحرّ، ويطلب صحافة تحليلية ومستقلة.

  • وجود منابر بديلة وشبكات رقمية من خارج المؤسسة التقليدية تُعطي مساحة أكبر للتنوّع والتجربة.

  • ضرورة المهنية الصحفية بدل الولاء المؤسّسي.

7. التوازن الجديد: بين حرّية وعمل مهني

ما جرى بعد مرحلة تفكيك تركَة البصري ليس مثاليًا، ولا يعني أن الصحافة المغربية أصبحت “حرّة بالكامل”، لكن ما حدث هو:

 سقوط تدريجي لمنظومة أقلام كانت تكتب ما يُملى عليها،
 صعود تدريجي لأصوات مختلفة وجديدة، لكنها ليست كلها بريئة،
 صحافة متجدّدة تواجه تحدياتها الخاصة، سواء سياسية أو قانونية أو اقتصادية.

خلاصة متسلسلة

  1. التخلص من تركَة إدريس البصري شمل إعادة توزيع الولاة والعمال،

  2. تعديل نمط إدارة الوزارات بعيدًا عن المراقبة الأمنية المفرطة،

  3. تغيّر تركيبة القيادات في المؤسسات العمومية،

  4. صعود تدريجي للمهنية في مواقع القرار،

  5. سقوط تدريجي لمنظومة الأقلام الصحفية “المدارة” أو الموجّهة،

  6. بازدياد مساحة للنقاش العمومي الحرّ نسبياً،

  7. صحافة اليوم أكثر تعددية وتجربة، وإن بقيت تواجه تحديات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.