الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الترقية البطيئة: حين يتحول حق الأستاذ في المغرب إلى عزاء متأخر وجريمة إدارية مكتملة الأركان

ضربة قلم

إذا كان هناك قطاع في المغرب دفع الثمن الأغلى للترقية البطيئة، فهو بلا شك قطاع التعليم. رجال ونساء التعليم، الذين ينهضون كل صباح ليحملوا على عاتقهم همّ تكوين الأجيال، يجدون أنفسهم أسرى مساطر ترقية تذكرنا بمحاكم التفتيش أكثر مما تذكرنا بإدارة حديثة. في سنة 2024 يُفتح باب الترشح للترقية، فيتسابق الأساتذة إلى إعداد ملفاتهم، ينسخون الوثائق، يجمعون التوقيعات، يعلقون آمالهم على إنصاف طال انتظاره. لكن ما إن يُودع الملف حتى يبدأ الكابوس: سنة 2025 لا يحدث فيها سوى إعادة ترتيب الأوراق وتعبئة الوثائق من جديد، وكأن الأستاذ يعيش في حلقة مفرغة. ثم يأتي العام 2026 ليُعلن عن نتائج الترقية، نتائج تكون أحياناً متأخرة أكثر من أعمار أطفال درسهم هؤلاء الأساتذة. وأخيراً، يصل “الفرج” المالي في 2027، بعدما يكون الغلاء قد التهم الأجور، واليأس قد نخر الروح، والتعب قد أثقل الجسد. هل يُعقل أن ينتظر الأستاذ أربع سنوات كاملة ليحصل على حق هو في الأصل مستحق منذ اللحظة التي تعب فيها على تلامذته؟ هل يُعقل أن نترك صانعي العقول ضحايا للانتظار الطويل وكأنهم لا يستحقون سوى الفتات؟ المفارقة المريرة أن بعض رجال التعليم لا يدركون خبر ترقيتهم إلا بعد أن يودَعوا في قبورهم. الترقية هنا تتحول من شهادة اعتراف إلى شهادة وفاة، ومن تحفيز على العطاء إلى عزاء متأخر. أي عبث إداري أكبر من هذا؟ أي دولة تلك التي تُكافئ من يُربي أبناءها بمزيد من الانتظار بدل مكافأته بالكرامة؟ الترقية البطيئة ليست مجرد تأجيل إداري؛ إنها إهانة ممنهجة. إنها وسيلة لكسر إرادة رجل التعليم الذي خرج في إضرابات طويلة مطالباً بالإنصاف، ليجد نفسه محاصراً ببيروقراطية تقول له: “انتظر، ثم انتظر، حتى تفنى.” رجل التعليم الذي يقف ساعات في الفصول المزدحمة، ويتحمل ضغط المناهج والخصاص، ويواجه نظرات مجتمع يطالبه بالمعجزات، لا يحتاج إلى صدقات مؤجلة، بل يحتاج إلى اعتراف فوري بقيمته. كيف نطلب منه أن يزرع الأمل في قلوب التلاميذ وهو يزرع خيبة الانتظار في قلبه كل يوم؟ إن الترقية البطيئة لرجال التعليم ليست خطأ تقنياً يمكن إصلاحه ببعض المذكرات، بل هي جريمة في حق المدرسة المغربية. مدرسة يُراد لها أن تبقى ضعيفة، لأن من يقودها يُهانون بتأجيل حقوقهم. هذه صرخة ثورية من قلب المدرسة: كفى من الترقية البطيئة. كفى من تحويل الاستحقاق إلى سراب، وكفى من التعامل مع رجال التعليم كأرقام في جداول. الترقية ليست منّة، إنها حق أصيل. والتأجيل ليس إجراء، إنه إعدام بطيء للكفاءة. إنصاف رجال التعليم اليوم، هنا والآن، هو الشرط الأول لإنصاف مستقبل المغرب. فإذا ضاعت كرامة الأستاذ، ضاع كل شيء. ولعل المقارنة مع ما يجري في بلدان أخرى تكشف عمق الفجوة. ففي فنلندا، مثلاً، يُعتبر الأستاذ ركيزة المجتمع، وترقيته ليست رهينة أوراق تنتظر سنوات في الأدراج، بل تتم بسرعة تعكس مكانته المرموقة. وفي كندا أو ألمانيا، يرتبط مسار الترقية بالتكوين المستمر والإنجاز الفعلي، حيث يُكافأ الأستاذ على مجهوده في حينه، لا بعد سنوات من المماطلة. حتى في بلدان عربية كالأردن أو تونس، نجد أن الترقية تتم بوتيرة أسرع وأكثر شفافية، ما يجعل الأستاذ يشعر أنه مُعترف به فعلاً. أما في المغرب، فيبقى الأستاذ يلهث وراء حقه سنوات، ويضيع بين اللجان والملفات، وكأنه يطلب المستحيل. إنها مفارقة تفضح عقلية بيروقراطية لا تعترف بالإنسان، بقدر ما تعترف فقط بالطابع الأحمر والتوقيع المعلق. إن الترقية البطيئة ليست فقط ظلماً للأستاذ، بل هي وصمة عار على جبين الإدارة المغربية التي تتفاخر بالإصلاحات بينما تقتل كرامة صانعي الأجيال في بطء لا يُطاق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.