التعليم العمومي في المغرب: أزمة بنيوية أم خيار سياسي؟

ضربة قلم
1. مدخل عام
التعليم في المغرب ليس مجرد قطاع اجتماعي كباقي القطاعات، بل هو العمود الفقري لأي مشروع تنموي. لكن منذ عقود، يعيش المغاربة على وقع مفارقة صارخة: كل إصلاح يُعلن عنه يُسوّق كمنعرج حاسم، لكن بعد سنوات يتضح أنه لم يكن سوى محطة إضافية في مسلسل “الأزمة الدائمة”.
2. مؤشرات واقعية على الأزمة
الاكتظاظ: أرقام غير رسمية تشير إلى أقسام تضم أكثر من 50 تلميذًا في مناطق حضرية، وأكثر من 40 في القرى. هذا يجعل عملية التتبع الفردي شبه مستحيلة.
البنية التحتية: مدارس غير مؤهلة، حجرات بدون ماء أو كهرباء في بعض المناطق القروية، غياب مرافق صحية لائقة، مما يضعف صورة المدرسة العمومية في مخيال المجتمع.
التسرب المدرسي: آلاف الأطفال ينقطعون سنويًا عن الدراسة، خاصة الفتيات في القرى، بسبب الفقر أو بُعد المؤسسات التعليمية.
اللغة والتوجيه: نظام تعليمي يتأرجح بين العربية والفرنسية والإنجليزية، في ظل غياب رؤية لغوية واضحة. النتيجة: تلميذ يخرج من المدرسة بمهارات لغوية هشة لا تواكب سوق الشغل.
3. جذور الأزمة
اختيارات سياسية: هناك من يرى أن الدولة لم تجعل التعليم العمومي أولوية حقيقية، بل تركته يضعف تدريجيًا لصالح التعليم الخصوصي.
ضعف الاستثمار: مقارنة ببلدان ذات نفس المستوى الاقتصادي، يظل الاستثمار في التعليم ضعيفًا من حيث الميزانية المخصصة والبحث التربوي.
العامل البشري: المدرس، وهو حجر الزاوية، يعاني من ضغط الساعات، ضعف التكوين المستمر، وأحيانًا من تدني الاعتراف الاجتماعي بمهنته.
4. انعكاسات الأزمة على المجتمع
فجوة طبقية: المدرسة العمومية لم تعد أداة للترقي الاجتماعي كما في عقود سابقة. اليوم، أبناء الأسر الغنية أو الميسورة يدرسون في مؤسسات خصوصية أو في الخارج، بينما أبناء الفقراء محكومون بمدرسة عمومية ضعيفة.
ضعف الكفاءات الوطنية: الأزمة في التعليم تعني بالضرورة إنتاج جيل أقل تكوينًا، مما يضعف تنافسية المغرب في سوق عالمي قائم على المعرفة.
أزمة ثقة: تراجع صورة المدرسة العمومية جعل الأسر تفقد الثقة في جدواها، وهذا أخطر من أي مؤشر مادي.
5. أسئلة مفتوحة للمستقبل
هل يمكن إصلاح التعليم دون إرادة سياسية تجعل منه قضية وطنية لا مجرد ورش تقني؟
هل نحن أمام توجه ممنهج لتحويل التعليم إلى خدمة مدفوعة تُقصي الفقراء، بدل أن يكون حقًا عامًا يضمن المساواة؟
هل يمكن بناء نموذج تعليمي يستوعب خصوصيات المغرب (اللغوية، الجغرافية، الثقافية) وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام الانفتاح العالمي؟
الخلاصة:
التعليم في المغرب ليس مجرد ملف اجتماعي متعثر، بل هو مرآة لخيارات الدولة في توزيع الثروة والسلطة. فإذا كانت المدرسة العمومية قوية، فهي تصنع مجتمعًا متوازنًا ومتماسكًا. وإذا ظلت ضعيفة، فهي تكرّس الهشاشة وتعمّق الفوارق، وتجعل كل مشروع تنموي مجرد شعار.
تنبيه:
الصورة المرفقة ذات طابع تعبيري رمزي فقط، ولا تعكس بالضرورة واقع الاكتظاظ في الأقسام التعليمية المغربية. الغرض منها توضيحي لا غير.




