الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

التعليم والشهادة: الدبلوم لا يصنع أستاذاً.. والعقل المتوقف لا يصنع معرفة

م-ص

لنبدأ من النقطة التي لا ينبغي أن يختلف حولها اثنان: لسنا ضد الشواهد، ولا ضد الدبلومات، ولا ضد الجامعات، ولا ضد العلم، ولا حتى ضد أولئك الذين يعلقون شواهدهم داخل إطارات فاخرة على جدران المكاتب.

بالعكس تماماً.

الشهادة محترمة، والدبلوم محترم، والجامعة محترمة، والعلم لا يحتاج إلى دفاع من أحد.

لكن، وهنا بيت القصيد، الشهادة وحدها لا تصنع الكفاءة، كما أن إطار الشهادة لا يضيف إليها نقطة واحدة.

يمكن للمرء أن يحصل على أعلى الشهادات، ثم يتوقف عن القراءة، ويتوقف عن البحث، ويتوقف عن تطوير نفسه، ويتعامل مع المعرفة، وكأنها كانت امتحاناً اجتازه وانتهى الأمر.

وكأن العلم، قال له يوم تسلمه الدبلوم:

“مبروك عليك… دابا سير ترتاح، وأنا غادي نكمل بوحدي!”

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

ونقول هذا الكلام، ونحن لا نتحدث من برج عاجي، ولا نوزع شهادات الكفاءة على الناس من وراء مكتب.

فنحن، مثلاً، نتوفر على بطاقة الصحافة المهنية منذ تسعينيات القرن الماضي، ولكننا نعرف، قبل غيرنا، أن البطاقة لا تصنع الصحافي.

البطاقة تثبت صفة أو وضعاً مهنياً، لكنها لا تمنح صاحبها تلقائياً القدرة على الكتابة، ولا ملكة التحليل، ولا فضيلة البحث، ولا شغف القراءة، ولا القدرة على فهم المجتمع الذي يكتب عنه.

ولو كانت البطاقة وحدها تصنع الصحافي، لكان كل من يحملها عبقرياً بالضرورة، ولكانت غرف الأخبار، عبارة عن أكاديمية للنوابغ، ولكان على العالم أن يستورد منا الصحافيين بدل الفوسفاط!

لكن الواقع أكثر تواضعاً من ذلك.

الصحافي تصنعه التجربة، والقراءة، والاحتكاك، والبحث، والفضول، والقدرة على الشك والسؤال، وقبل كل شيء الاستمرار في التعلم.

ونفس الشيء ينطبق على الأستاذ، والطبيب، والمحامي، والمهندس، والباحث، والإداري، والسياسي، وكل إنسان اختار مهنة يفترض فيها أن يكون العقل حاضراً باستمرار.

هناك عباقرة بلا “بهرجة”… وهناك أصحاب شهادات توقفوا عند الباب

والحقيقة التي تستحق أن تقال، هي أن المجتمع مليء بأشخاص، ربما لا تحمل أسماؤهم عشرات الألقاب الأكاديمية، لكنهم يحملون في عقولهم، ما هو أثمن من بعض الألقاب.

نجد رجالاً ونساءً مارسوا التعليم الابتدائي أو الأولي، وربما لم تتح لهم الظروف أن يواصلوا مسارهم الأكاديمي، إلى أعلى الدرجات، لكنهم ظلوا يقرأون، ويبحثون، ويتابعون، ويسألون، ويجتهدون.

تجلس معهم دقائق، فتكتشف أن أمامك إنساناً، لا يزال عقله يعمل.

تحدثه في موضوع، فيقول لك: لا أعرف، دعني أبحث.

وهذه العبارة الصغيرة، في رأيي، أكبر بكثير من أن يقول لك شخص آخر: أنا أعرف كل شيء.

لأن الذي يقول “لا أعرف” يترك الباب مفتوحاً أمام المعرفة.

أما الذي يعتقد أنه وصل إلى قمة العلم، فقد يكون أغلق الباب من الداخل وأضاع المفتاح!

وهنا نصل إلى بعض رجال ونساء التعليم العالي، مع كامل الاحترام، لمن يواصلون البحث والتكوين والاجتهاد منهم.

المشكلة ليست في الأستاذ الجامعي.

المشكلة في من يتعامل مع الشهادة باعتبارها نهاية الرحلة، لا بداية المسؤولية.

فبعد سنوات من الدراسة، وبعد الحصول على الشواهد، وبعد المرور من المباريات والإجراءات والتعيين، وبعد الجلوس على كرسي الوظيفة، قد يحدث لبعضهم شيء غريب جداً:

يتقاعد العقل قبل أن يتقاعد صاحبه!

يصبح الإنسان موظفاً في مؤسسة جامعية، لكنه لم يعد طالب علم.

والأخطر من ذلك أن يتحول الأستاذ، الذي يفترض أن يكون في مقدمة المتعلمين، إلى شخص يعيش على رصيد معرفي قديم.

مثل هاتف ذكي اشتغل لسنوات دون تحديث.

الهيكل موجود.

الشاشة موجودة.

والبطارية، ربما ما زالت تشتغل.

لكن النظام الداخلي يقول لك:

“آخر تحديث كان منذ سنوات… ومنذ ذلك الحين لم يحدث شيء!”

الساعة التي توقفت عقاربها

هناك ساعة معلقة على جدار، قد تكون جميلة، غالية الثمن، مستوردة من أرقى الأسواق، مصنوعة من أجود المعادن…

لكنها إذا توقفت، فماذا تفعل؟

هل تصبح دقيقة، لأنها غالية؟

طبعاً لا.

هل يصبح الوقت الذي تشير إليه صحيحاً، لأن صاحبها يحمل دبلوماً في هندسة الساعات؟

أيضاً لا.

الساعة المتوقفة، قد تعطيك الوقت الصحيح مرتين في اليوم بالمصادفة.

وهذه، أحياناً، مشكلة أخرى!

لأن بعض الأشخاص الذين توقفوا عن القراءة والاجتهاد، قد يظلون يصيبون في بعض الأمور، فيعتقدون أن توقفهم، ليس مشكلة.

بل قد يقول أحدهم:

“ها أنا قلت لكم، وكنت على صواب!”

نعم، كنت على صواب.

لكن السؤال ليس: هل أصبت مرة؟

السؤال هو:

هل ما زلت تتحرك؟

هل ما زلت تقرأ؟

هل ما زلت تبحث؟

هل ما زلت تراجع أفكارك؟

هل ما زلت تعترف، بأن العالم تغير؟

لأن المعرفة التي كانت صحيحة بالأمس، قد تصبح ناقصة اليوم، وما كان جديداً قبل عشرين سنة، قد يصبح الآن جزءاً من التاريخ.

أخطر شيء أن يدرس الإنسان العالم بعقل الأمس

العالم لم يعد ينتظر أحداً.

المعلومة تتغير.

التكنولوجيا تتغير.

المجتمع يتغير.

الاقتصاد يتغير.

طرق التعليم تتغير.

الصحافة تغيرت.

السياسة تغيرت.

حتى الطالب نفسه تغير.

والأستاذ الذي يدخل إلى المدرج اليوم، بالعقل نفسه الذي دخل به قبل عشرين أو ثلاثين سنة، دون أن يقرأ أو يطور أو يراجع أو يواكب، يشبه من يحاول تشغيل سيارة حديثة، بمفتاح سيارة “رونو 4”!

قد يكون الرجل أو المرأة محترماً، وقد يكون حاصلاً على شهادات كبيرة، وقد يكون قد درس في جامعات محترمة، وقد يكون اسمه مدوناً في ملفات الإدارة بكل أناقة…

لكن العلم لا يعيش في الملفات.

العلم يعيش في العقل.

والعقل الذي لا يتغذى بالقراءة يتحول، مع مرور الوقت، إلى متحف.

والمتحف قد يكون جميلاً جداً، لكن الناس يأتون إليه لكي يروا ما كان موجوداً في الماضي!

ليست المشكلة في الشهادة… بل في ماذا فعلتَ بها؟

هنا يجب أن نكون واضحين.

لا أحد يقول، إن الأستاذ مطالب بأن يقرأ كل كتاب صدر في العالم.

ولا أحد، يطلب من الموظف، أن يتحول إلى موسوعة.

ولا أحد، يطالب صاحب الدكتوراه، بأن يعرف كل شيء.

هذا مستحيل.

لكن المطلوب شيء أبسط بكثير:

أن تظل راغباً في التعلم.

أن تكون لديك الرغبة في أن تعرف ما لا تعرف.

أن تقرأ.

أن تبحث.

أن تناقش.

أن تراجع نفسك.

أن تعترف بأن تلميذك، قد يعرف شيئاً، لا تعرفه أنت.

وهذه الأخيرة بالذات، تحتاج إلى قدر كبير من التواضع.

لأن بعض الناس يعتقدون أن الأستاذ، لا يمكن أن يتعلم من الطالب.

وهنا تقع الكارثة.

فالطالب اليوم، قد يأتي إلى القسم، وهو يعرف في التكنولوجيا، أكثر مما يعرف الأستاذ.

وقد يكون مطلعاً على مراجع حديثة.

وقد يقرأ بلغات متعددة.

وقد يكون متابعاً لأبحاث جديدة.

فهل المشكلة، أن الأستاذ لم يعرف؟

أبداً.

المشكلة تبدأ عندما يرفض أن يعرف لأنه مقتنع بأنه يعرف أصلاً.

من يقرأ يتجدد… ومن يتوقف يتحول إلى نسخة قديمة من نفسه

القراءة، ليست زينة.

والكتاب، ليس قطعة ديكور فوق المكتب.

والبحث ليس نشاطاً موسمياً، عندما يقترب موعد الترقية.

والتكوين المستمر، ليس ورقة تضاف إلى الملف الإداري.

هذه كلها، في الأصل، وسائل لكي يبقى الإنسان حياً فكرياً.

لأن الإنسان، يمكن أن يكون حياً بيولوجياً، لكنه يعيش فكرياً على نسخة قديمة جداً من نفسه.

وهذا هو النوع الأخطر من الجمود.

أن يصبح لديك جسد حاضر وعقل غائب.

أن تدخل إلى الجامعة كل صباح، لكنك لا تدخل إلى المعرفة.

أن تلقي المحاضرة نفسها تقريباً، بالأمثلة نفسها، وبالأفكار نفسها، وربما حتى بالنكتة نفسها، التي قلتها قبل خمسة عشر عاماً!

والطالب المسكين ينظر إليك ويقول في نفسه:

“الأستاذ تبدل… ولكن الدرس ما تبدلش!”

الشهادة بداية وليست شهادة وفاة معرفية

الشهادة الحقيقية، في رأيي، ليست تلك الورقة، التي تحمل توقيع الجامعة وخاتمها فقط.

الشهادة الحقيقية، هي أن تستطيع، بعد سنوات من حصولك على الدبلوم، أن تثبت أنك لم تتوقف.

أن تكون أكثر معرفة اليوم، مما كنت عليه بالأمس.

وأن يكون عقلك في سنة 2026، مختلفاً عن عقلك في سنة 2006.

أما أن تحصل على الشهادة، ثم تضعها في إطار، وتضع معها عقلك في إطار آخر، وتغلق عليهما الباب…

فهنا لا نكون أمام مسار علمي، وإنما أمام معرض للذكريات!

والأجمل أن بعض الناس، يتحدثون عن الشهادة وكأنها “رخصة أبدية للمعرفة”.

لا يا سيدي.

الشهادة تقول، إنك وصلت إلى مستوى معين، في مرحلة معينة.

لكنها، لا تقول إنك ستظل في المستوى نفسه إلى الأبد.

بل ربما العكس.

كلما ارتفع مستوى الإنسان العلمي، كلما أصبح مطالباً بأن يتعلم أكثر، لا أن يقرأ أقل.

وفي النهاية…

نحن لا نريد مجتمعاً بلا شواهد.

نريد مجتمعاً تكون فيه الشهادة ثمرة للعلم، لا بديلاً عنه.

ولا نريد أن نقلل من قيمة الأستاذ الجامعي، بل نريد أن نرفع قيمة الأستاذ الحقيقي.

الأستاذ الذي يقرأ.

الأستاذ الذي يبحث.

الأستاذ الذي يواكب.

الأستاذ الذي يعترف، بأنه لا يعرف كل شيء.

الأستاذ الذي يجعل من نفسه طالب علم مدى الحياة.

لأن أعظم أستاذ، في النهاية، هو الذي لم يتوقف يوماً عن كونه طالباً.

أما الشهادة التي لا يصاحبها تجدد، فقد تتحول مع الزمن إلى مجرد ورقة جميلة، داخل إطار أنيق.

والإطار لا يقرأ.

والخاتم لا يفكر.

والتوقيع لا يبحث.

والساعة، مهما كان ثمنها، إذا توقفت عقاربها… فلن تجعل الوقت يتوقف معها.

وهذه ربما هي الخلاصة التي تستحق أن تبقى:

لا مشكلة في أن تحمل شهادة كبيرة، المشكلة أن تحملها فوق عقل توقف عن التحديث.

فالعلم لا يتقاعد، والقراءة لا تنتهي، والاجتهاد ليس وظيفة موسمية…

ومن ظن أن آخر شهادة حصل عليها هي آخر ما يحتاج إلى تعلمه، فربما حصل على الدبلوم… لكنه لم يحصل بعد على الدرس الأهم.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. مقال عميق يضع الاصبع على جوهر المشكلة :
    الشهادة تفتح باب المعرفة لكنها لاتعوض المعرفة نفسها
    فالاستاذ الحقيقي لاتصنعه الألقاب وحدها،بل تصنعه القراءة المستمرة والبحث والتواضع والقدرة على مواكبة التحولات
    تحية وتقدير لهذا الطرح الذي يذكرنا ان العلم مسيرة لاتنتهي وان من توقف على التعلم بدأ يتراجع مهما كثرت شهاداته.

    1. أستاذي الكريمة،
      بداية، أشكرك على مرورك الراقي، ودمت مبدعة نبيلة.
      أحاول قدر الإمكان التطرق إلى القضايا التي تشغل بال أصحاب العقول الكبيرة، سيما المواضيع المسكوت عنها.
      مع مودتي وتقديري.
      محمد صابر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.