الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

التعنت الإداري: حين يتحول عامل إقليم آسفي إلى “مشرّع للجوع”

ضربة قلم

ما يحدث اليوم في آسفي ليس مجرد تأخر إداري عابر في صرف حوالات مستخدمي الإنعاش الوطني، بل هو نموذج مصغر عن أزمة أعمق يعيشها المغرب: أزمة العلاقة بين السلطة والمواطن البسيط.
عامل الإقليم، الذي كان يُفترض أن يكون الأقرب إلى نبض الناس بحكم خلفيته “الشعبية”، اختار أن يوقع على الحوالات بعد أسبوعين كاملين من موعدها، وكأن الزمن في آسفي يسير على تقويم خاص. باقي عمالات المملكة تصرف أجور الإنعاش في وقتها، إلا آسفي حيث يظل الانتظار سيد الموقف، وكأن ساكنتها أقل استحقاقاً للالتزام الإداري.
الدرس الأول: السلطة حين تتجاهل البسيط
الخطير في الموضوع ليس فقط الجوع المؤجل، بل الرسالة الضمنية:
أن المواطن الضعيف يمكن تهميشه دون خوف من تبعات، وأن الفئة التي لا تملك أدوات الضغط (إضراب، احتجاج، اعتصام) تُترك نهباً للتأجيل والتعنت.
بهذا السلوك، يتحول العامل من ممثل للدولة إلى رمزٍ لغيابها، ومن مؤتمن على حقوق الناس إلى “مشرّع للجوع”، يقرر متى يقبضون وكيف يعيشون، وكأن الأمر امتياز يمنحه حين يشاء.
الدرس الثاني: البيروقراطية كأداة للهيمنة
التأخير أسبوعين لا علاقة له بالمال أو الموارد، بل هو قرار بيروقراطي صرف. وهذه البيروقراطية ليست بريئة: إنها إحدى أدوات الهيمنة الناعمة التي تربي الناس على الطاعة والصمت. فالموظف أو العامل الذي ينتظر أجره صاغراً يتعلم أن يتجنب الاحتجاج، وأن يتوسل توقيعاً صغيراً كأنه منّة لا حق.
الدرس الثالث: متى يغضب الصامتون؟
عمال الإنعاش الوطني، كما نعلم، يعملون في صمت، ويطالبون فقط بمستحقاتهم البسيطة. لا يحرقون عجلات، لا يقطعون شوارع، ولا يرفعون شعارات. غير أن التاريخ علمنا أن الصمت الطويل لا يعني الرضا، بل قد يكون هدوءاً يسبق انفجاراً. حين يشعر المواطن أن حقوقه صارت رهينة مزاج إداري، وأن صوته لا يُسمع، يبتكر وسائل احتجاج قد تفاجئ الجميع.
الدرس الرابع: الأولوية للإنسان لا للصورة
الدولة تعطي درساً إيجابياً حين تختار صرف الأموال في تعويض البسطاء بدل المظاهر الاحتفالية.
قطع مع ثقافة التبذير: لا معنى لصرف أموال على الطبالين والمزمرين بينما عمال الإنعاش ينتظرون أجوراً زهيدة.
استعادة الثقة: كل درهم يُحوّل من جيوب الطبالين إلى جيوب العمال، هو استثمار في العدالة الاجتماعية، ورسالة أن الدولة قريبة من مواطنيها.
الدرس الخامس: الدولة في مرآة موظفيها
إن سلوك عامل آسفي لا يسيء فقط لسمعته الشخصية، بل يضع صورة الدولة كلها على المحك. فحين يُعامل عمال الإنعاش كأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، فإن الرسالة التي تصل إلى الشارع خطيرة: العدالة غائبة، والسلطة تفرّق بين الناس.
الخلاصة
إن التعنت الذي يمارسه عامل آسفي ليس مجرد “عناد شخصي”، بل هو درس سلبي في إدارة الشأن العام، يختصر كيف يمكن لمسؤول واحد أن يحول حياة مئات الأسر إلى جحيم شهري. وإذا كان دور الدولة أن تضمن الحقوق في وقتها، فإن ترك هذا الوضع يستمر يعني ببساطة تكريس منطق “العبث الإداري” الذي لا يحصد ثماره سوى مزيد من فقدان الثقة.
فالدرس الذي ينبغي أن يُستوعب هنا، من آسفي إلى باقي ربوع الوطن، هو أن الكرامة تبدأ من التفاصيل الصغيرة: من أجر بسيط يُصرف في وقته، من توقيع لا يتأخر، ومن مسؤول يتذكر أنه وُضع هناك لا ليختبر صبر الناس، بل ليحمي حقوقهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.