الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

التغيير بين الحلحلة والخلخلة: هل نصلح المشاكل أم نكتفي بتدويرها؟

ع-ب

في هذا الزمن الذي صار فيه “التغيير”، كلمة تُستهلك أكثر من السكر في الشاي المغربي، يخرج علينا الجميع بخطط، واستراتيجيات، ووعود، حتى تكاد تظن، أن البلاد على بعد أسبوع واحد من التحول إلى جنة موعودة… ثم تستيقظ على نفس الكرسي، ونفس الخطاب، ونفس المشاكل التي “تحتاج فقط إلى قليل من الوقت” منذ عشرين سنة!

لكن دعونا نكون صرحاء: التغيير ليس شعارًا يُرفع، ولا منشورًا يُنشر، بل عملية لها طريقتان لا ثالث لهما… أو بالأحرى، كلمتان في لغتنا الجميلة تختصران الحكاية كلها: الحلحلة والخلخلة.

الفرق بينهما؟ ببساطة، الفرق بين من يحاول إصلاح صنبور يقطر، ومن يقرر هدم المنزل، لأنه سئم من صوت الماء!

الـ“حلحلة”، يا سادة، هي تلك الروح الهادئة، التي تؤمن، بأن كل عقدة لها حل… فقط تحتاج إلى نفس طويل، وقليل من العقل، وكثير من الصبر. هي طريقة من يجلس أمام المشكلة وكأنه أمام لغز، يراقب، يحلل، يجرّب، ويعيد المحاولة دون أن يكسر الطاولة أو يرمي الكراسي. الحلحلة هي فن “خلّيها تمشي بشوية”، حيث لا أحد يستعجل، لكن أيضًا لا أحد يغامر.

تجدها في الاجتماعات الرسمية، في اللجان، في “سيتم دراسة الموضوع”، و”نحن بصدد إيجاد حلول مناسبة”… كلمات مطمئنة لدرجة أنك تنام قرير العين، حتى لو لم يتغير شيء في الواقع!

أما “الخلخلة”، فهنا تبدأ الإثارة. الخلخلة لا تؤمن بالصبر الطويل، بل تؤمن أن بعض الأمور لا تُفكّ، بل تُهزّ… هزًّا عنيفًا أحيانًا. هي أسلوب من يدخل إلى غرفة مظلمة، بدل أن يبحث عن زر الضوء، يقرر تحريك الجدران نفسها، ليرى ما الذي سيحدث.

الخلخلة هي لحظة الجرأة، أو التهور، حسب زاوية النظر. هي كسر المسلمات، طرح الأسئلة المزعجة، وفتح ملفات كان الجميع يفضل تركها مغلقة “حتى لا نتعب”. هي ذلك الصوت الذي يقول: ربما المشكلة ليست في التفاصيل… بل في الأساس كله!

في الواقع، لا يمكننا أن نختار بين الحلحلة والخلخلة، كما نختار بين قهوة سوداء أو قهوة بالحليب. لأن الحياة، ببساطة، لا تمشي بمنطق “إما… أو”.

كثير من الأزمات، تحتاج أولًا إلى خلخلة حقيقية، تخرجها من حالة الجمود، وتكسر ذلك الصمت الثقيل الذي يجعل الجميع يتظاهر بأن الأمور بخير. وبعد أن تهتز الأرض قليلًا… يأتي دور الحلحلة، لترتيب الفوضى، وجمع القطع، وبناء شيء يمكن العيش معه.

المشكلة عندنا، بصراحة، أننا نحب الحلحلة أكثر من اللازم… إلى درجة أنها تتحول أحيانًا إلى “تنويم جماعي”. نحلحل، ثم نحلحل، ثم نحلحل… حتى ننسى أصل المشكلة، ونكتفي بتدويرها في نفس المكان.

وفي المقابل، نخاف من الخلخلة، لأنها مزعجة، وتُقلق، وتُحرج، وقد تفضح ما لا نريد رؤيته. لذلك نفضل أن يبقى كل شيء “مستقرًا”… حتى لو كان هذا الاستقرار مجرد وهم جميل.

الخلاصة؟
التغيير الحقيقي ليس هادئًا دائمًا، ولا صاخبًا دائمًا. هو لحظة شجاعة، نهزّ فيها ما يجب أن يهتز، ثم لحظة حكمة، نعيد فيها ترتيب ما يمكن إصلاحه.

أما أن نظل نحلحل بلا نهاية، أو نخلخل بلا هدف… فذلك ليس تغييرًا، بل مجرد دوران أنيق في نفس المكان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.