عبد الإله بوسيف/ ألمانيا
بدايةً، وبكثير من القناعة قبل المجاملة، أجدني واحدًا من المتابعين الذين اختاروا الاستمرار في مرافقة تجربة قناة “بنت المغرب”، التي تشرف عليها السيدة غزلان، ليس من باب الفضول العابر، بل انطلاقًا من تقدير حقيقي لمسار إعلامي بسيط في شكله، عميق في مضمونه. فهذه القناة، التي انطلقت كمساحة رقمية عادية، سرعان ما تجاوزت حدود النشر الافتراضي، لتتحول إلى منبر حيّ يعكس نبض المغاربة، ويترجم مشاعرهم وهمومهم داخل الوطن وخارجه.
ما يميز هذه التجربة، في تقديري، ليس فقط عفويتها، بل تلك الصدقية التي تتسلل بهدوء إلى المتلقي، فتمنحها تأثيرًا يتجاوز بكثير إمكانياتها التقنية. إنها ليست مجرد قناة، بل حالة من الالتزام الوجداني تجاه الوطن، وإيمان راسخ بأن الكلمة، حين تصدر من قلب صادق، يمكن أن تصنع الفارق، حتى وإن كان ذلك من خلف شاشة صغيرة، في عالم رقمي واسع ومزدحم.
ومن خلال هذا الفضاء الذي يجمعنا، شدّ انتباهي اكتشاف منصة إعلامية مغربية راقية تحمل عنوان “ضربة قلم”، وهي منصة لا تلهث وراء الإثارة بقدر ما تراهن على جودة الطرح وعمق الفكرة. وقد لمستُ من خلال المواد التي تشاركها الأخت غزلان بين الفينة والأخرى، أن الأمر لا يتعلق فقط بموقع ينشر مقالات، بل بمشروع فكري صغير في حجمه، كبير في طموحه، يستقطب نخبة من القراء الذين يبحثون عن المعنى، لا عن الضجيج. إنها واحدة من تلك المساحات النادرة التي ما تزال تؤمن بأن القارئ الذكي موجود، وأن الكلمة الصادقة تجد طريقها، مهما كان الزحام.
وفي امتدادٍ لهذا التفاعل الإيجابي الذي لم يكن عابرًا، قادني فضول مهني مشروع إلى استكشاف الصفحة الشخصية على الفيسبوك للصحفي المشرف على هذه المنصة، حيث بادرت إلى فتح جسور التواصل معه، مدفوعًا برغبة صادقة في الإسهام، ولو بقدر متواضع، في هذا الورش الإعلامي الذي يتشكل بهدوء وثبات. لم يكن الأمر مجرد تواصل عابر، بل محاولة للانخراط في تجربة تُراهن على الكلمة المسؤولة، وتبحث عن إضافة نوعية في زمن يغلب عليه التكرار.
ومن هذا المنطلق، اقترحت فكرة الانخراط التطوعي في إغناء محتوى المنصة بمواد صحفية متنوعة، مع تركيز خاص على جنس العمود الصحفي، باعتباره فضاءً رحبًا للتعبير الحر المسؤول، ولمساءلة قضايا الرأي بأسلوب يجمع بين التحليل والجرأة، دون السقوط في فخ الإثارة الرخيصة أو الانزلاق نحو الأحكام الجاهزة.
وقد كان تجاوبه، في الحقيقة، مشجعًا إلى حد بعيد، بل ومفعمًا بروح الانفتاح، حيث رحّب بالفكرة دون تردد، لتُفتح بذلك صفحة جديدة لم يمض على بدايتها سوى أيام قليلة، لكنها، في تقديري، بداية واعدة، تحمل في طياتها الكثير من الأمل، وتُؤشر على إمكانية بناء تجربة إعلامية تُراكم بهدوء، وتكبر بثقة.
ومن موقعي كمغربي راكم تجربة الاغتراب لسنوات في ألمانيا، أجدني اليوم أمام مسؤولية مضاعفة، تتجاوز حدود المتابعة أو الكتابة، لتلامس دورًا أكثر اتساعًا، يتمثل في بناء جسور حقيقية بين مغاربة الداخل ومغاربة العالم. فالمسألة لم تعد مجرد انتماء جغرافي، بل صارت التزامًا أخلاقيًا ومعرفيًا يفرض البحث عن صيغ جديدة للتواصل والتلاقي.
وفي هذا الإطار، أعمل حاليًا على بلورة فقرة نوعية ضمن هذه التجربة الإعلامية، تُعنى بجمع ولمّ شتات الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج، على أن تكون ألمانيا نقطة الانطلاق الأولى لهذا المسعى. ذلك أن هناك، في صمت بعيد عن الأضواء، طاقات مغربية لامعة راكمت تجارب وخبرات رفيعة في مجالات متعددة، لكنها لا تجد دائمًا المنصة المناسبة لتقاسمها أو تحويلها إلى رافعة جماعية.
إن الرهان، في جوهره، لا يقتصر على التعريف بهذه الكفاءات، بل يتجاوز ذلك نحو خلق دينامية تواصلية حقيقية، تُعيد وصل ما انقطع، وتمنح لهذه الطاقات فرصة التعبير والتأثير، بما يجعلها جزءًا فاعلًا في النقاش العمومي، وقيمة مضافة حقيقية لمسار التنمية، سواء داخل الوطن أو خارجه.
ولعل ما يعزز هذا التوجه ويشجّعه أكثر، هو أن منصة “ضربة قلم”، في شخص الأستاذ محمد صابر، سبق وأن خطت خطوة نوعية في هذا الاتجاه، من خلال حوارها مع الأستاذة غزلان، التي نجحت عبر قناتها “بنت المغرب” في إرساء فضاء جامع، يلتقي فيه المغاربة على اختلاف مواقعهم، متوحدين بخيط رفيع من الحب والانتماء. وهو ذات الخيط الذي نسعى اليوم إلى تقويته، وتحويله من مجرد تفاعل رقمي عابر إلى مشروع تواصلي أوسع، يرتكز على التعارف الفعّال، وتبادل الخبرات، وبناء جسور الثقة، ليصبح مساحة حقيقية تجمع بين الانتماء والفعالية والإبداع.
إن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد محصورًا في إنتاج المحتوى الإعلامي فحسب، بل امتد إلى بناء مجتمع إعلامي متماسك، يؤمن بأن الاختلاف قوة، وأن المغاربة، أينما وجدوا، قادرون على الالتقاء حول قيم مشتركة: حب الوطن، السعي إلى التقدم، والإيمان بأن المستقبل يُصنع جماعيًا، لا فرديًا. ومن هذا المنطلق، أطمح من خلال هذه المبادرة إلى دعوة الكفاءات المغربية المقيمة في الديار الألمانية أولًا، للانخراط في هذا الورش، والمساهمة بأفكارهم وتجاربهم، سواء في ميادين الإعلام والفكر والاقتصاد، أو حتى في التجارب الإنسانية اليومية البسيطة، التي تحمل في طياتها دروسًا عميقة يمكن أن تفيد الجميع.
كما أتوجه من هذا المنبر بنداء مفتوح إلى كل أخواتي وإخواني المغاربة في مختلف بقاع العالم، ممن تسكنهم الرغبة الإعلامية، أو يملكون شغف الكلمة، لينضموا إلى هذه الفقرة، ويكونوا جزءًا من هذا الحلم الجماعي. ولسنا بحاجة إلى أصوات عالية، بقدر ما نحن بحاجة إلى أصوات صادقة، ولسنا في حاجة إلى كثرة الكلام، بل إلى كلام يُبنى عليه، ويترك أثرًا حقيقيًا في الوعي الجمعي ويقوي خيوط الانتماء المشتركة.
نطمح إلى أن تتحول هذه المساحة إلى منصة حقيقية للتلاقي، حيث نكتب عن بعضنا البعض، ونتعرف على قصص النجاح والتحدي، ونُضيء زوايا قد يغفل عنها الضوء عادة، لنؤكد مرة أخرى أن المغرب ليس مجرد حدود جغرافية، بل هو شعور نابض فينا أينما حللنا، رابط يجمعنا رغم المسافات، ويجعل من الانتماء تجربة حية تتخطى حدود المكان والزمن.
في النهاية، يبقى الأمل كبيرًا في أن تتحول هذه المبادرة المتواضعة إلى لبنة ضمن مشروع أكبر، يُعيد الاعتبار للكلمة الهادفة، ويُقوي جسور التواصل بين المغاربة داخل الوطن وخارجه. مغربٌ يجمعنا، لا يفرقنا… مغربٌ نلتقي فيه على المحبة، ونختلف فيه بأدب، ونعمل فيه يدًا في يد، من أجل غدٍ يليق بنا جميعًا.