
عبد الإله بوسيف/ ألمانيا
في حياتنا اليومية، نسمع كثيرًا كلمة “التكالب”، تُقال غالبًا بنبرة استهجان أو نقد. لكنها في الحقيقة ليست مجرد تعبير عابر، بل مفتاح لفهم جانب عميق من سلوكنا الاجتماعي والسياسي. فالتكالب يعني اندفاعًا جماعيًا محمومًا نحو مورد محدود؛ صورة مستعارة من عالم الحيوان، حين تنقض مجموعة على فريسة واحدة.
قد يبدو التشبيه قاسيًا… لكنه دقيق إلى حدٍّ مزعج.
من الطوابير إلى سوق العمل، تتكرر الصورة. طوابير طويلة أمام خدمات بسيطة، ازدحام غير مسبوق في فترات التخفيضات، وسباق مرهق نحو فرص شغل قليلة. آلاف الملفات تُودع من أجل منصب واحد، فيتحول التنافس من سعي مشروع إلى حالة خوف جماعي من الإقصاء. هنا، لا يعود الأمر مجرد اجتهاد فردي، بل انعكاس لواقع تحكمه الندرة: فرص أقل من عدد الطامحين، وسباق لا يبدو أن له نهاية واضحة.
وإذا كان التكالب واضحًا في الحياة اليومية، فإنه يبلغ ذروته في السياسة. فالصراع على السلطة لا يقتصر على البرامج والأفكار، بل يتجاوزها إلى سباق على النفوذ والمواقع. التحالفات تتبدل بسرعة، والخصومات تُعاد صياغتها حسب موازين القوة. لأن السلطة، مثلها مثل أي مورد نادر، تُغري وتدفع إلى أقصى درجات التنافس.
الفرق بين الإنسان وغيره أنه يملك العقل… لكن هذا لا يعني أنه يتحرر دائمًا من منطق الغريزة. فحين يشتد الخوف من فوات الفرصة، ومن البقاء خارج اللعبة، يتحول السلوك إلى اندفاع جماعي يشبه ما نراه في أبسط صور الصراع على البقاء.
المشكلة ليست في التنافس؛ فالتنافس قد يكون دافعًا للتطور. لكنها تبدأ حين يفقد التوازن، ويتحول إلى تزاحم محموم، وحين تصبح الندرة قاعدة لا استثناء.
يزداد التكالب لأن العالم صار أكثر سرعة وضغطًا. الفرص تتركز في يد قلة، والنجاح يبدو وكأنه مساحة ضيقة لا تتسع للجميع. ومع اتساع الفجوة بين الطموح والواقع، يصبح الخوف من التأخر وقودًا دائمًا لهذا الاندفاع الجماعي.
وربما لا يمكن القضاء على التكالب بشكل كامل، لأنه جزء من طبيعة المجتمعات التنافسية. لكن يمكن الحدّ منه عبر توسيع الفرص، وتعزيز العدالة، وإعادة الاعتبار لفكرة التعاون إلى جانب التنافس.
لأن المجتمع الذي يعيش في حالة تكالب دائم… يعيش أيضًا في حالة قلق دائم.
وفي النهاية، تكشف هذه الكلمة البسيطة عن حقيقة عميقة: حين تضيق الفرص، يتسع الازدحام… وحين يتسع الازدحام، لا يصبح السؤال من سيفوز، بل كم سيخسر الجميع في الطريق.




