الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

التوأمان والجماهير الغاضبة… قصة العالم الذي يبتسم فيه الشبعان ويبكي فيه الجائع

م-ص

الأنانية ليست دائمًا ذلك الوحش الذي نتخيله، بل ربما تكون أول غريزة يستيقظ عليها الإنسان، وهو يفتح عينيه على الدنيا. فالطفل الرضيع لا يعرف بعد معنى المشاركة ولا التضامن، ولا يفهم أن هناك آخرين يتقاسمون معه الحياة والاحتياجات. إنه يبكي حين يجوع، ويصرخ حين يتألم، ويطالب العالم كله، بأن يستجيب لرغبته في اللحظة نفسها.

ولعل المشهد الأكثر دلالة، هو مشهد التوأمين؛ أحدهما يبكي بحرقة، لأنه لم ينل نصيبه من الحليب، بينما الآخر يبتسم في هدوء لأنه شبع وارتوى. لا حقد بينهما ولا سوء نية، فقط لأن الجائع يرى العالم من معدته الفارغة، أما الشبعان فيراه من راحته المؤقتة. هنا تولد أولى بذور الأنانية، لا باعتبارها رذيلة أخلاقية، بل باعتبارها انعكاسًا لغريزة البقاء.

لكن المأساة تبدأ حين يكبر الإنسان جسدًا، وتبقى روحه حبيسة تلك المرحلة الأولى. فبدل أن يتعلم أن ألم الآخرين يشبه ألمه، وأن جوعهم يشبه جوعه، يزداد انغلاقًا داخل دائرة ذاته. وهكذا يصبح المجتمع مسرحًا لمشهد التوأمين نفسه، ولكن بأحجام أكبر وأقسى.

في الساحات يتجمع الجائعون، تتداخل أصواتهم مثل أمواج بحر هائج، يحملون هموم الخبز والدواء والكرامة. وفي المقابل، هناك من يتحدث باسمهم من وراء المكاتب الوثيرة والصالونات الفاخرة، حيث لا يصل صدى البطون الخاوية إلا كهمس بعيد. يتحدثون عن الفقر، كما يتحدث السائح عن بلد زاره ليوم واحد، ويتناولون معاناة الناس، كأرقام في تقارير، لا كجراح تنبض في لحم الحياة.

إن من شبع طويلًا قد ينسى معنى الجوع، كما ينسى من عاش في الضوء شكل الظلام. لذلك كثيرًا ما تبدو المسافة بين الحاكم والمحكوم، أو بين المترف والمحتاج، أكبر من مجرد فارق في الدخل أو المكانة؛ إنها مسافة في الإحساس نفسه. فالجائع لا يطلب فلسفة معقدة، بل رغيفًا. والعاطل لا يحتاج خطبة طويلة، بل فرصة تحفظ كرامته. والمتعب لا يبحث عن شعارات براقة، بل عن يد تمتد إليه بصدق.

وربما كان جوهر الإنسانية كله، يكمن في قدرة الإنسان على التحرر من سجن ذاته. أن يشعر بألم لم يذقه، وأن يبكي على جرح لم يصبه، وأن يغضب لظلم لم يقع عليه شخصيًا. فالحضارات لم تُبنَ حين انتصر الأقوى لنفسه، بل حين أدرك أن قوته لا معنى لها إذا تُرك الضعفاء خلفه.

ولهذا تبقى الأنانية، مهما تنكرت في أثواب الأناقة أو السلطة أو النجاح، نوعًا من الفقر الروحي. ويبقى التعاطف أغنى، ما يمكن أن يملكه الإنسان، لأنه الجسر الوحيد الذي يجعلنا، نرى في وجوه الآخرين شيئًا من وجوهنا، وفي جوعهم شيئًا من جوعنا، وفي أحلامهم امتدادًا لأحلامنا.

فالعالم لا يصبح أكثر عدلًا عندما يشبع الجميع فقط، بل عندما يعجز الشبعان عن النوم مرتاحًا، وهو يعلم أن جاره ما زال جائعًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.