الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

التوظيف والنجاح “المُفصّل على المقاس”… الشهادات تُخاط  على قياس أبناء النفوذ

ضربة قلم

في مغرب اليوم، لم يعد النجاح في مباريات التوظيف والولوج إلى المناصب العمومية مرادفًا للكفاءة والاجتهاد فقط. فثمة من ينجح لأن اسمه “محجوز” سلفًا، أو لأن والده “يعرف من أين تُؤكل الكتف”، أو لأن هاتفًا واحدًا من مسؤول نافذ كفيل بإزاحة مئات المترشحين من السباق، ولو كانوا أكثر استحقاقًا.

هذه ليست انطباعات عابرة، بل قناعات ترسّخت في الوعي الجماعي، بعد تكرار حالات “النجاح المفاجئ” لأسماء لم تكن يومًا من المتفوقين، لكنها كانت دومًا من المحظوظين.

امتحانات شكلية… ونتائج معلّبة؟

قصص الشباب المغربي مع مباريات التوظيف لا تخلو من مرارة. كثيرون اجتهدوا، حضّروا، سهروا الليالي، لكنهم خرجوا من قاعة الامتحان وهم يدركون أن النتيجة حُسمت في مكان آخر.
ويهمس البعض أن اللائحة الناجحة تُضبط أحيانًا قبل حتى وضع أسئلة المباراة!

النتيجة؟ شعور بالمهانة، والإحباط، واللا جدوى. “لماذا أدرس؟ لماذا أجتهد؟ إذا كان مقعد التوظيف محجوزًا سلفًا؟”، يقول شاب في الثلاثين من عمره، يحمل شهادة ماستر ولم يظفر بوظيفة منذ سبع سنوات.

“ولد فلان” و”بنت علان”… و”سير قابل الحيط”

في قطاعات بعينها، يتحوّل التوظيف إلى لعبة مغلقة:

  • المنصب الفلاني محجوز لابن المدير السابق.
  • والمقعد العلاني من نصيب قريبة البرلماني.
  • والبقية؟ يُطلب منهم أن “يثقوا في المؤسسات”.

هذا الوضع يُنتج شعورًا بالتمييز الطبقي، وكأن الوظيفة العمومية صارت امتيازًا وراثيًا، لا حقًا وطنيًا يُنتزع بالجدارة.

ضياع الثقة في الدولة… والنتيجة : هجرة، قنوط، أو حتى انتحار

حين يشعر المواطن بأن لا شيء يتحقق بالاستحقاق، تنهار ثقته في وطنه. يفرّ البعض إلى الخارج بحثًا عن الإنصاف، وينزوي آخرون في بيوتهم دون أمل، وقد يتجرأ بعضهم على حياةٍ لم تعد تستحق أن تُعاش.

إنها نتائج كارثية لظاهرة ليست فقط فاسدة، بل مدمّرة لمستقبل البلاد.

من المسؤول؟ وهل من حلول؟

في مواجهة آفة “النجاح المفصل على المقاس”، لا يمكن الاكتفاء بالتشكي والتذمر. المسؤولية اليوم جماعية، وموزعة على عدة أطراف:

  • الأحزاب السياسية والنقابات مطالبة بأن تتخلى عن دور “الوسيط الزبوني”، وتستعيد موقعها كمدافع شرس عن تكافؤ الفرص ومحاربة المحسوبية. فالتواطؤ بالصمت خيانة لثقة المواطنين.
  • القضاء بدوره مدعو لأن يكون ملاذًا للمظلومين، وسيفًا على رقاب كل من يعبث بمستقبل الشباب، عبر التزوير أو التلاعب أو التحيز.
  • المجتمع المدني، بما له من قرب من الناس، يمكن أن يلعب دور الرقيب والمُبلّغ، عبر التوثيق، والضغط، وتقديم الملفات للهيئات الرقابية.
  • أما الرقمنة والشفافية، فهما المدخل الحقيقي للإصلاح. وحدها الأنظمة الرقمية القابلة للتتبع، ونشر النتائج التفصيلية، وتسجيل وقائع الامتحانات بالصوت والصورة، قادرة على ردع المتلاعبين وإشعار المواطنين بالعدالة.

ويبقى ربط المسؤولية بالمحاسبة هو المفتاح الأهم: لا معنى لأي إصلاح إذا لم يُحاسب كل من يفسد، مهما كان منصبه أو انتماؤه.

خلاصة:

حين يُفصّل النجاح على المقاس، يضيق الوطن على أبنائه.
وحين يُمنح المنصب لمن يملك المفتاح بدل من يستحق، فإننا لا نفقد فقط كفاءاتنا، بل نخسر أيضًا قيم العدالة والكرامة.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
هل نريد دولة تحكمها الكفاءة؟ أم شبكة مصالح تتحكم في مصير الناس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.