التيكتوكر رشيد اللنجري وراء القضبان: بين محتوى رقمي وحدود الحياء العام

ضربة قلم
أعاد قرار إيداع التيكتوكر المعروف باسم رشيد اللنجري السجن المحلي بمدينة طنجة، على خلفية متابعته في قضية تتعلق بنشر محتويات، وُصفت بـ“المخلة بالحياء العام”، النقاش مجددًا حول طبيعة المحتوى المتداول، في منصات التواصل الاجتماعي، وحدود الحرية الرقمية، والمسؤولية القانونية والأخلاقية، التي تترتب عن استعمال هذه الوسائط الحديثة.
فالواقعة، التي استأثرت باهتمام واسع، في الأوساط الإعلامية، ومواقع التواصل الاجتماعي، لم تُقرأ فقط باعتبارها ملفًا قضائيًا معزولًا، بل اعتبرها كثيرون، مؤشرًا على مرحلة جديدة، من التعاطي الرسمي، مع ما يُنشر في الفضاء الرقمي، خاصة حين يتجاوز المحتوى، دائرة الترفيه، إلى ما يُعد إخلالًا بالآداب العامة، أو مساسًا بالقيم الاجتماعية السائدة.
من صناعة “الترند” إلى أروقة القضاء
برز اسم رشيد اللنجري، في منصات التواصل الاجتماعي، من خلال مقاطع قصيرة، اعتمدت على الإثارة واللغة الجريئة لجذب المشاهدات، في سياق بات معروفًا لدى عدد من صناع المحتوى، الذين يسعون إلى تحقيق الانتشار السريع، ولو على حساب مضمون الرسالة أو انعكاساتها الاجتماعية.
غير أن هذا المسار، الذي قد يبدو في ظاهره بحثًا عن الشهرة، أو تحقيق دخل رقمي، انتهى بصاحبه إلى مواجهة القضاء، بعد تسجيل شكايات، تتعلق بطبيعة ما يُنشر من محتويات، اعتُبرت خادشة للحياء العام، وهو ما دفع المصالح الأمنية، إلى فتح تحقيق، تحت إشراف النيابة العامة المختصة.
وبعد إخضاع المعني بالأمر، لإجراءات البحث التمهيدي، تم تقديمه أمام القضاء، حيث تقرر إيداعه السجن، في انتظار استكمال التحقيقات، وهو قرار أثار نقاشًا واسعًا، بين من اعتبره تطبيقًا صارمًا للقانون، ومن رآه مدخلًا، لنقاش أعمق، حول طبيعة النصوص القانونية المؤطرة للنشر الرقمي.
قضية فردية أم ظاهرة آخذة في الاتساع؟
لا يمكن فصل هذه القضية، عن سياق عام، يتميز بتزايد المتابعات القضائية، في حق عدد من المؤثرين، وصناع المحتوى خلال السنوات الأخيرة، بسبب ما يُنشر من مواد، اعتُبرت مسيئة للأخلاق العامة، أو محرضة على سلوكيات غير مقبولة اجتماعيًا.
ويرى متتبعون، أن هذه الملفات، تعكس تحوّل الفضاء الرقمي، من مجال حر شبه مطلق، إلى مجال يخضع، تدريجيًا، لمنطق الضبط القانوني، شأنه شأن الفضاء العمومي الواقعي. فالشارع له قوانينه، وكذلك المنصات الرقمية، وإن اختلفت الوسائط وتغيرت الأدوات.
كما أن تكرار هذا النوع من القضايا، يكشف عن اتساع فجوة، بين ثقافة بعض المستخدمين الشباب، الذين يعتبرون المنصات مجالًا للتعبير الحر دون قيود، وبين المنظومة القانونية، التي ما زالت تستند إلى مفاهيم مثل “الحياء العام” و“الأخلاق العامة” في ضبط السلوكيات.
حرية التعبير وحدودها القانونية
يثير هذا الملف مجددًا سؤالًا قديمًا متجددًا:
أين تنتهي حرية التعبير، وأين تبدأ مسؤولية النشر؟
فحرية التعبير مبدأ دستوري، لكنها ليست مطلقة، إذ تقف عند حدود حماية النظام العام، وصيانة القيم المجتمعية، وعدم المساس بحقوق الآخرين. وفي السياق الرقمي، يصبح هذا التوازن أكثر تعقيدًا، لأن المحتوى، لم يعد موجّهًا إلى دائرة ضيقة، بل يصل في ثوانٍ، إلى آلاف وربما ملايين المتلقين، من بينهم قاصرون وفئات هشة.
ويرى مختصون، أن بعض صناع المحتوى، يخلطون بين الجرأة والإساءة، وبين النقد والابتذال، مستندين إلى منطق “الانتشار بأي ثمن”، وهو ما يجعلهم، عرضة للمساءلة، حين يتحول، ما ينشرونه إلى موضوع شكايات ومتابعات قضائية.
دور المنصات الرقمية… مسؤولية مؤجلة
في مقابل التركيز على صانع المحتوى، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية:
ما دور المنصات الرقمية نفسها، في ضبط ما يُنشر؟
فرغم امتلاكها لسياسات داخلية، تمنع بعض أنواع المحتوى، إلا أن تطبيقاتها، تقوم غالبًا بترويج المقاطع المثيرة للجدل، لأنها تحقق نسب مشاهدة، وتفاعل مرتفعة، مما يخلق تناقضًا، بين الخطاب الأخلاقي المعلن، والممارسة التقنية الفعلية.
ويرى خبراء في الإعلام الرقمي، أن جزءًا من الحل يكمن في:
-
تفعيل الرقابة الذاتية لدى المستخدمين،
-
تعزيز التربية الرقمية داخل الأسرة والمدرسة،
-
وإرساء إطار قانوني خاص بالنشر الإلكتروني، يراعي خصوصية الوسيط الرقمي.
طنجة… مدينة التحولات والتوترات الثقافية
تكتسي هذه القضية، بعدًا خاصًا بالنظر إلى السياق المحلي لمدينة طنجة، التي تعيش تحولات اجتماعية وثقافية متسارعة بفعل السياحة، والانفتاح الاقتصادي والهجرة، ما يجعلها فضاءً، تتقاطع فيه أنماط متعددة من القيم والسلوكيات.
وفي مثل هذا السياق، يتحول أي محتوى مثير للجدل، إلى مادة للنقاش العام، ليس فقط من زاوية قانونية، بل أيضًا من زاوية أخلاقية وثقافية، حول صورة المدينة، وحدود ما يُعتبر مقبولًا أو مرفوضًا، في الفضاء العام، سواء كان هذا الفضاء شارعًا أو شاشة هاتف.
القضية أبعد من شخص واحد
بعيدًا عن البعد الشخصي للملف، يرى كثيرون أن قضية رشيد اللنجري، تكشف عن إشكال أعمق، يتمثل في غياب رؤية واضحة، لتنظيم المحتوى الرقمي في المغرب، بين من يدعو إلى التشديد القانوني، حمايةً للأخلاق العامة، ومن يطالب بمراجعة النصوص القانونية، بما ينسجم مع التحولات الرقمية والثقافية.
إنها قضية تعكس صراعًا بين:
-
منطق “الترند” والانتشار السريع،
-
ومنطق القانون والضبط الاجتماعي.
كما أنها تطرح بإلحاح ضرورة:
-
تأهيل صناع المحتوى قانونيًا وأخلاقيًا،
-
إدماج التربية الرقمية، في السياسات العمومية،
-
وفتح نقاش مجتمعي هادئ، حول معنى الحياء، في زمن المنصات المفتوحة.
خلاصة
تؤكد هذه القضية، أن الفضاء الرقمي، لم يعد منطقة رمادية، خارج المساءلة، وأن ما يُنشر على الشاشات، قد تكون له تبعات قانونية واجتماعية حقيقية. فبين الكاميرا والقانون، مسافة قصيرة، قد يقطعها المحتوى في لحظة، لكنها قد تقود صاحبها، إلى مسار طويل من المتابعة والمساءلة.
وهكذا، تتحول قضية تيكتوكر واحد إلى مرآة تعكس أسئلة كبرى حول:
أي محتوى نريد؟
وأي حرية نمارس؟
وأي مسؤولية نتحمل في زمن أصبحت فيه، الكلمة صورة، والصورة قضية؟




