الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الجامعة المغربية: كثرة العدد… وقلّة الجدوى!

ضربة قلم

رغم العدد المتزايد للجامعات والمؤسسات العليا بالمغرب، إلا أن واقع الحال لا يعكس بالضرورة تحسنًا في جودة التعليم أو تكافؤ الفرص بين الجهات والفئات. فالتوسع الكمي الذي شهده قطاع التعليم العالي لم يرافقه تطور نوعي يُذكر في البنية التحتية، أو في طرق التدريس، أو حتى في توفير الشروط الاجتماعية والاقتصادية للطلبة.
لقد تحولت بعض الجامعات، خاصة في المدن الكبرى، إلى فضاءات مكتظة لا تضمن حتى مقاعد لجميع الطلبة، ناهيك عن المختبرات أو الخدمات الاجتماعية الأساسية. أما في المناطق الهامشية، فكثيرٌ من المؤسسات الجامعية تُبنى على عجل، في غياب تصور استراتيجي واضح، وكأنها فقط لرفع الأرقام وإرضاء التقارير.
ومن المؤسف أن الفوارق الجهوية ما تزال صارخة: فطالبٌ في جامعة داخلية يجد نفسه مضطرًا إلى قطع كيلومترات طويلة يوميًا أو السكن في ظروف مزرية، في حين يحظى نظراؤه في المدن الكبرى ببعض الامتيازات، حتى لو كانت محدودة. الأمر الذي يُغذي الإحساس بالحيف، ويزيد من الهدر الجامعي.
من جهة أخرى، لا تزال الجامعة المغربية تُنتج أعدادًا كبيرة من الخريجين الذين لا يجدون موطئ قدم في سوق الشغل. ويرجع ذلك جزئيًا إلى غياب ربط حقيقي بين التكوين الجامعي ومتطلبات الاقتصاد الوطني، وإلى ضعف التوجيه الأكاديمي والمهني.
الأحزاب والنقابات: غياب أم تواطؤ؟
من المقلق أن يظل دور الأحزاب السياسية والنقابات التعليمية باهتًا أمام ما تعيشه الجامعة المغربية من أعطاب. فبدل أن تُعبّر هذه الهيئات عن هموم الطلبة والأساتذة، وتضغط من أجل إصلاحات جذرية، نجدها في أحيان كثيرة منشغلة بتقاسم مواقع النفوذ داخل المجالس الجامعية أو التموقع داخل المؤسسات، أكثر من انشغالها بجودة التعليم أو العدالة المجالية.
لقد تحولت بعض الفروع النقابية الطلابية إلى أدوات للصراع الإيديولوجي، بدل أن تكون فضاءات للدفاع عن الكرامة الجامعية. كما أن عدداً من النقابات التعليمية يكتفي بردود فعل موسمية، دون طرح بدائل واضحة أو الضغط على الحكومة لتبني سياسة تعليمية عادلة وشاملة.
أما الأحزاب، فهي غالباً ما تدرج التعليم العالي في برامجها الانتخابية كشعار فضفاض، دون التزام فعلي أو تتبع حقيقي لما يجري داخل الحرم الجامعي. بل إن بعض الأحزاب، حين تصل إلى مواقع القرار، تكرّس نفس السياسات التي سبق أن نددت بها.
إن الجامعة لا يمكن أن تُصلحها وزارة التعليم وحدها، بل الأمر يحتاج إلى تعبئة وطنية حقيقية، تنخرط فيها كل القوى الحية، وعلى رأسها النقابات الجادة والأحزاب ذات الرؤية، لأن مستقبل الوطن يبدأ من مدرجات الجامعة، لا من صالونات السياسة.
المطلوب اليوم ليس فقط توسيع العرض الجامعي، بل إعادة النظر في فلسفة التعليم العالي برمّتها، من خلال:
الارتقاء بجودة التكوين والأساتذة؛
إصلاح نظام المنح والسكن والخدمات الاجتماعية للطلبة؛
وضع آليات لتوجيه حقيقي من الثانوي إلى العالي؛
تعزيز ربط الجامعة بالمحيط السوسيو-اقتصادي والجهوي.
فلا يمكن الحديث عن عدالة مجالية أو كرامة طلابية أو حتى عن مستقبل واعد، ما دامت الجامعة، وهي القلب النابض لأي مجتمع حداثي، تُدار بعقلية الأرقام لا برؤية الإصلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.