الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعاقتصاد

الجباية تُحلّق.. والمواطن يُقلّب جيوبه: عرض لفتيت في مسرح البرلمان

ضربة قلم

من منبر البرلمان، خرج علينا عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، ليبشّرنا بمشروع قانون جديد يحمل الرقم 14.25، وكأننا ننتظر بشغف حلقاته كسيتكوم رمضاني، يعدنا بإصلاح جبائي ينثر العدالة كما تُنثر الزغاريد في الأعراس، ويَعِدُ بتطوير الموارد الجبائية الذاتية للجماعات الترابية، وكأن هذه الأخيرة كانت تعاني من فقر دم في خزينتها بسبب قلة فيتامين “الجباية”.

الوزير، بكل وقار، أعلن أن التنسيق متواصل – لا يتوقف ولا ينام – بين وزارته الموقرة ووزارة الاقتصاد والمالية، بخصوص الرسوم التي تذهب لفائدة الجماعات الترابية والتي ما تزال تدبرها الدولة، في مشهد عبثي يشبه أباً لا يزال يربّي ابنه البالغ الأربعين من عمره، ويرفض أن يترك له مفاتيح البيت. أما عن الرسوم التي تتكفل بها الجماعات بنفسها، فهناك دوريات ستُوجَّه إلى الولاة والعمال، لتوضيح ما لا يحتاج أصلاً إلا لنظرة سريعة إلى الجدول المحين للأسعار الجديدة.

ولأن “من يصدر هو من يجب أن يتحصل” – حسب فلسفة المشروع الجديدة – فقد قرروا أخيراً توحيد الجهة التي ستصدر وتحصّل رسوم السكن والخدمات الجماعية مع الجهة التي تدبر الرسم المهني. كل ذلك تحت عباءة المديرية العامة للضرائب، التي يبدو أنها تحولت إلى سوبرمان الجبائي، تحمل الجميع على ظهرها، وتضبط كل صغيرة وكبيرة في ميدان الضرائب، دون أن تنسى أن تبتسم ابتسامة الموظف الواثق من أنه سيمصّ جيبك حتى آخر درهم.

أما الرسوم العقارية، فهنا دخلنا في عالم السحر الحقيقي! فقد قرروا أخيراً تحديث الأسعار التي ظلت نائمة منذ 2008، وكأنها في سبات شتوي طويل. من 15 إلى 30 درهماً للمتر في المناطق المكتملة التجهيز، ومن 5 إلى 15 درهماً في المناطق المتوسطة، ومن نصف درهم إلى درهمين في المناطق المنكوبة التي بالكاد ترى فيها مصباحاً ينير الليل أو حنفية تروي العطش. وهل يتم تحديد هذه المناطق وفق معايير دقيقة؟ لا يا سيدي، سيتم تحديدها حسب رأي رئيس الجماعة، بعد نيل البركة من العامل، طبعاً.

وتستمر فقرات العرض الشيق بإعلان ولادة “قابض جماعي” جديد لدى كل جماعة، سيمارس مهامه الجبائية بكل حزم، خاصة في مجال التحصيل الجبري. أجل، جَبري. لأنه حين تعجز عن دفع الرسوم، سيذكّرك هذا القابض أن الدولة لا تمزح حين يتعلق الأمر بمالها، حتى وإن كانت لا تبالي حين يتعلق الأمر بماء شربك أو طريق حيك.

وفي مشهد ختامي، يتخلى الخازن العام للمملكة، بكل أناقة، عن بعض مسؤولياته لفائدة المدير العام للضرائب، الذي سيحل محله في القضايا التي تخص رسوم السكن والخدمات الجماعية. أما القابض الجماعي فسيُسند له تحصيل الرسوم الأخرى، باستثناء الثلاثي المقدس: المهني، والسكن، والخدمات. إنه تقسيم للمهام يجعلنا نتساءل: من تبقّى لم يُكلف؟ لعل الحاجب في باب الوزارة يُنتظر منه كذلك إصدار رسوم خاصة على المارين.

بالمجمل، يبدو أن مشروع القانون الجديد يهدف إلى جعل الدولة أكثر رشاقة جبائياً، لكننا نحن المواطنين سنصبح بلا شك أكثر نحافة مالياً، وربما نفسياً، بعد أن نجد أنفسنا محاصرين بجيش من القباض، والدوريات، والمراسلات، والقوانين التي لا تترك لك منفذاً للهرب إلا إذا قررت أن تبني كوخاً في الجبل وتعيش على حليب الماعز، دون كهرباء، دون ماء، ودون ذكر كلمة “رسم” ما حييت.

حسي مسي: لقد بدأ العرض، فاستعدوا أيها المواطنون، فكل شبر في هذا الوطن العزيز سيُقاس ويُقدّر ويُرسّم، حتى حبات الرمل لن تنجو من عين الجباية الحارقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.