الجماعات تنتحر صمتًا… والمعارضة تستيقظ قبل الانتخابات بفلاش كوميدي!

ضربة قلم
ونحن نقترب من توديع الولاية الحالية للمجالس الجماعية، يتراءى أمامنا المشهد كما لو أننا نشاهد مسرحية مستمرة منذ سنوات، بطولية على الورق، هزلية في الواقع، حيث غالبية الجماعات أصبحت تمثل فيلماً كوميدياً صامتاً، يُعرض على كل المواطنين بلا استئذان، والبطولة فيه من نصيب أولئك الذين أتقنوا فن استعراض العضلات… فارغة! عضلاتٌ بلا عظام، أقوى ما فيها هو الصدى الذي تتركه الكلمات الرنانة في اللوائح الرسمية، أما الواقع فمملوء بالحفر والمياه الراكدة، وكأن البنية التحتية لأغلب المدن، والقرى، وحتى جبالنا المترامية الأطراف، اختارت أن تُعلن إفلاسها في عز أمطار الخير، تلك الأمطار التي كشفت للجميع مدى هشاشة مشاريع “النهضة العمرانية” المزعومة.
وإذا كنا نتصور أن هذا المشهد يخص فقط المنتخبين الذين يختبئون خلف صفة السلطة، فدعونا لا ننسى المعارضة “الماكرة”، التي علمتنا السنوات الأخيرة أنها تمتلك مهارة مزدوجة: فهي تعرف كيف تصمت عندما يجب أن تتحدث، وكيف تتحدث عندما يجب أن تصمت، وها هي تستيقظ فجأة من سباتها العميق، مع اقتراب استحقاقات هذه السنة، فتجعل من الصمت دهراً ومن الكلام كفراً… كما لو كانت تقول للمواطنين: “ألقوا نظرة الآن، ربما نحتاج إلى تصفيقكم قبل الانتخابات!”.
ومع كل حملة إعلانية لمشروع جديد أو وعد مزخرف على واجهات المدن، نتذكر كم مرة شهدنا وعوداً تبدو وكأنها سُطرت على ورق رقيق، سرعان ما يبتل بالمياه الأولى، فلا تبقى منه سوى رماد الخطاب وماء الأمطار الغاضب الذي يسقط على الطرقات المتهالكة. فالمواطن، الذي كان يأمل في شوارع آمنة، وقنوات صرف صحي تعمل، ومرافق تُيسر الحياة، يكتشف أنه مجرد مشاهد في فيلمٍ لم يُكتب له سوى أن يُضحك على نفسه، بينما “الأبطال” ينسجون صمتهم ومكاسبهم خلف الستار.
أما الحصيلة، فهي طبق جانبي للفرجة: جماعات حضرية قريبة من انهيار البنية التحتية، وجماعات قروية تُعاني من سوء التدبير، ووعود بلا تنفيذ، وحكايات تتكرر كما لو أن الزمن قرر أن يكون معلقاً بين الانتخابات، في حين أن مصالح المواطنين تُستنزف صامتة، لا أحد يسمع صرخاتهم إلا في لحظات قليلة، حين تُلتقط صور للمشاريع نصف المنجزة أو لأمطار تفضح الهشاشة الكاملة.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الذي يتردد على كل لسان أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: ماذا ستترك هذه الولاية خلفها؟ هل هي مجرد أوراق رسمية، تقارير ضبابية، ومشاريع مموهة بين “نجاح مزعوم” وفشل صارخ؟ أم أنها ستصبح أسطورة تروى للأجيال القادمة، عن زمن كانت فيه السياسة مهرجاناً من الخطابات، وصورة على الفيسبوك، وابتسامة مصطنعة في لقاء انتخابي؟
الحقيقة أن ما يحدث ليس مفاجئاً، بل هو نتيجة تراكم سنوات من التعامل مع السلطة كمساحة للعرض الشخصي، مع تجاهل شبه كامل لاحتياجات السكان، الذين يتحملون المسؤولية الأثقل: الحفاظ على حياتهم وسط البنية التحتية المنهكة، ومتابعة هؤلاء الذين يستيقظون فجأة من سباتهم الانتخابي ليذكروهم بأن “الوقت قد حان للظهور مجدداً”.
في النهاية، يمكننا القول بصراحة مرّة: الانتخابات القادمة لن تكون إلا استعراضاً جديداً لنفس الشخصيات، بنفس الحيل، وربما بصمت جديد مؤقت للمعارضة، كل ذلك بينما المدينة والقرية والجبال تراقب، صامتة، أمطارها، والطرق المبتلة، والحفر المفتوحة، والوعود التي تنكسر قبل أن تُكتب، وكلنا ننتظر أن يُسدل الستار عن هذه المسرحية، على أمل أن يأتي وقت جديد، حيث لا يكون المواطن مجرد مشاهد صامت، ولا السياسي مجرد لاعب في فيلم هزلي طويل بلا نهاية.




