الجيل الضائع بين الشاشات: حين يربي الطفل نفسه في غياب أب رقمي

ضربة قلم
استهلال:
في المغرب، لم تعد الأمية تعني فقط الجهل بالقراءة والكتابة، بل امتدت لتشمل أمية أخطر: الأمية الرقمية. في زمن الهواتف الذكية والتطبيقات المتوحشة، وجد آلاف الأطفال أنفسهم يسبحون في عوالم افتراضية بلا مرشد، بينما آباؤهم عاجزون عن فهم ما يجري خلف تلك الشاشات الصغيرة. فهل نحن أمام أزمة تربوية من نوع جديد؟ وهل يستطيع والد لا يعرف حتى معنى “الراوتر” أن يواجه تحديات طفل يتيه بين تيك توك وسنابشات و«بوبجي»؟
جيل يعرف الباسوورد… وآباء لا يعرفون حتى اسم التطبيق
في أحياء شعبية، وربما حتى في أسر ميسورة، صار مشهد الطفل الممدد على الأرض وهو يحدق في هاتف ذكي لأكثر من 6 ساعات يوميًا مشهدًا عاديًا. الأم منشغلة في المطبخ أو “غارقة” في فيديوهات الطبخ والوصفات، والأب إما في العمل أو في المقهى. الهاتف صار “المربي البديل”، ومنصة تيك توك أصبحت “الروضة الرقمية”، بينما اختفت أسئلة مثل: من تتابع؟ ما الذي تشاهده؟ مع من تتحدث؟
حوادث تهز الأسرة… ومجتمع في صمت
ليست الحكايات افتراضية، بل مأساوية وواقعية.
- طفل في نواحي تطوان يشنق نفسه مقلدًا تحديًا على تطبيق “الحوت الأزرق”.
- فتاة في سن 13 من نواحي فاس تقع ضحية ابتزاز جنسي بعد إرسال صورها لصديق وهمي تعرفت عليه عبر إنستغرام.
- مراهقون يدمنون ألعابًا إلكترونية عنيفة، يتحدثون بلغة غريبة على والديهم، ينعزلون ويعانون من نوبات غضب وهوس غير مفهوم.
في كل مرة تُطرح الأسئلة: أين كان الأب؟ أين كانت الأم؟
لكن الحقيقة المرّة أن الآباء أنفسهم أصبحوا ضحايا الجهل الرقمي.
مدرسة لا تواكب، وإعلام يكتفي بالمناسبات
المؤسسة التعليمية في المغرب ما زالت تدرّس الإعلاميات بشكلها التقليدي، بينما الأطفال يواجهون تطورات الذكاء الاصطناعي والمحتوى الترفيهي المُفرط. لا توجد مقررات تُعلّم الأطفال كيفية حماية أنفسهم من المحتوى السام، ولا تُكوّن الآباء ليمارسوا دورهم كحماة في الفضاء الرقمي. أما الإعلام المغربي، فغالبًا لا يسلط الضوء على التربية الرقمية إلا في سياق موسمي، بعد كل كارثة أو فضيحة.
هل حان وقت الشهادة الأبوية الرقمية؟
أمام هذه الأزمة، يبدو أن الوقت قد حان لتفكير جذري. هل يجب فرض تكوين رقمي بسيط لكل من يملك أبناء في سن الطفولة؟ هل نُدرج التربية الرقمية في برامج الحملات الانتخابية والجمعيات المدنية؟ هل نُعيد الحياة للأزقة والحدائق والأنشطة البديلة التي توازن عالم الطفل بين الواقع والافتراض؟
خاتمة:
بين طفل مهووس بلعبة إلكترونية، وأب لا يميّز بين اليوتيوب والتيك توك، يضيع جيل كامل وسط صمت رسمي، وتجاهل مجتمعي. الأزمة الرقمية ليست فقط في الشاشات، بل في العجز عن فهمها ومواكبتها. فهل ننتظر فاجعة أخرى لنستيقظ؟




