
عبد الإله بوسيف/ ألمانيا
لم تعد أزمة الطاقة مجرد أرقام تتراقص في نشرات الاقتصاد، بل تحولت إلى عبء يومي يثقل كاهل الأسر ويضغط على أنفاس المقاولات. ومع كل ارتفاع جديد في أسعار النفط، يبدو أن الحكومات تجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مُرّ: إما ترك المواطن يواجه موجة الغلاء، أو التدخل السريع ولو على حساب مداخيلها.
في خضم هذا المشهد المتوتر، برز توجه لافت في عدد من الدول: التراجع خطوة إلى الوراء… والتخلي عن جزء من الضرائب المفروضة على الوقود، خاصة الكيروسين وزيت الوقود الثقيل. قرار يبدو في ظاهره اقتصادياً، لكنه في العمق يحمل أبعاداً اجتماعية وسياسية لا تخفى على أحد.
الحكاية تبدأ من الأسواق العالمية، حيث لم تعد أسعار الطاقة مستقرة كما في السابق، بل أصبحت رهينة أزمات جيوسياسية متلاحقة. ومع كل اضطراب في الشرق الأوسط أو غيره من بؤر التوتر، تقفز الأسعار، وتنتقل العدوى مباشرة إلى جيوب المواطنين. هنا، لم يعد الحديث عن رفاهية الاستهلاك، بل عن القدرة على التدفئة، وتشغيل الآلات، وضمان الحد الأدنى من العيش الكريم.
بعض الدول لم تنتظر طويلاً. في الهند، تم كسر جزء من “الحاجز الضريبي” لتخفيف الضغط عن البنزين والديزل، مع تسهيلات في توزيع الكيروسين، خاصة في المناطق الهشة. الرسالة كانت واضحة: لا يمكن ترك القرى والطبقات الفقيرة رهينة تقلبات الأسواق الدولية.
وفي أستراليا، اختارت الحكومة نهجاً مؤقتاً، عبر تقليص الضرائب على الوقود لتخفيف الصدمة، وكأنها تشتري الوقت إلى حين استقرار الأسعار. أما في فيتنام، فقد ذهبت الفكرة إلى أقصاها، بطرح خيار تصفير بعض الضرائب لفترة محدودة، في محاولة جريئة لحماية القدرة الشرائية ومنع الانزلاق نحو موجة تضخم أوسع.
حتى داخل أوروبا، حيث الحسابات المالية دقيقة، لم تجد بعض الحكومات بداً من خفض الرسوم، ولو مرحلياً، لتفادي احتقان اجتماعي قد يكلفها أكثر من خسارة مداخيل ضريبية.
لكن، هل الحل بهذه البساطة؟
نظرياً، يبدو خفض أو إلغاء الضرائب كأنه “تنفيس” مباشر للأزمة. الأسر ستتنفس الصعداء مع فواتير أقل، والمقاولات ستجد هامشاً أوسع للتحرك دون أن تلتهم الطاقة أرباحها. غير أن الوجه الآخر لهذه الخطوة أقل بريقاً.
فالدولة، حين تتنازل عن الضرائب، إنما تتخلى عن مورد أساسي لتمويل خدماتها ومشاريعها. ومع اتساع هذا التنازل، قد تجد نفسها أمام عجز متزايد، أو مضطرة لتعويضه بطرق أخرى قد تعود في النهاية إلى جيب المواطن بشكل أو بآخر.
ثم هناك هاجس آخر لا يقل خطورة: حين يصبح الوقود أرخص، يرتفع الاستهلاك، وقد تظهر سلوكيات غير متوقعة، من التبذير إلى التهريب، خاصة في غياب رقابة صارمة. وهنا، يتحول “الحل” إلى مشكلة جديدة.
في العمق، ما يحدث اليوم يكشف هشاشة التوازن بين الاقتصاد والسياسة الاجتماعية. فالحكومات لا تخفض الضرائب حباً في التنازل، بل خوفاً من انفجار اجتماعي صامت. والمواطن، في المقابل، لا يرى في هذه القرارات سوى مسكنات مؤقتة، لا تعالج أصل الداء.
لذلك، يبقى السؤال معلقاً:
هل نحن أمام حلول ظرفية تُسكّن الألم… أم بداية مراجعة أعمق لعلاقة الدولة بالطاقة وبالمواطن؟
في عالم لا يهدأ على إيقاع الأزمات، يبدو أن معركة الوقود لم تعد فقط في الآبار، بل انتقلت إلى جيوب الناس… وهناك، تكون الكلفة الحقيقية.




