الحجارة بدل الأقلام: حكم ثقيل في قضية هزّت مدرسة بضواحي طنجة

ضربة قلم
في مشهد أقرب إلى دراما سوداء، لا تُدرَّس في كتب التربية، ولا في حصص المواطنة، أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بطنجة، الستار على واحدة، من أكثر القضايا إثارة للجدل، حين أدانت شابًا على خلفية أحداث عنف، شهدتها ثانوية تعليمية بضواحي المدينة، وقضت في حقه بخمس سنوات حبسًا نافذًا، وتعويضات مالية ثقيلة الوطأة.
القصة، كما روتها المحكمة، بدأت بشجار تلاميذي عادي، من ذلك النوع الذي يفترض أن ينتهي بتوبيخ إداري، أو استدعاء ولي أمر، قبل أن ينفلت العقال، ويتحول الخلاف من ساحة القسم، إلى محيط المؤسسة، حيث دخل على الخط “مساندون” من خارج الأسوار، كان من بينهم المتهم، وفق ما استقر عليه الحكم.
الحجارة، بدل الأقلام، صارت لغة الحوار، والثانوية، بدل أن تكون فضاءً للعلم، وجدت نفسها في قلب فوضى عارمة. وبين محاولات احتواء المشهد، ومنع الانزلاق نحو الأسوأ، تدخل مدير المؤسسة، ليكون هو الخاسر الأكبر، في هذه الحكاية العبثية. إصابة خطيرة على مستوى حساس من جسده، لم تكن مجرد جرح عابر، بل خلّفت عاهة مستديمة، بفقدانه إحدى خصيتيه، وهي الواقعة، التي وصفتها النيابة العامة، بكونها ذات أثر دائم لا يمحى، جسديًا ونفسيًا.
الحق العام لم يرَ في ما حدث مجرد “شغب عابر”، بل اعتداءً خطيرًا، داخل محيط مؤسسة ،يفترض أنها محصنة بالقيم قبل الجدران، وإهانة لموظف عمومي، أثناء قيامه بواجبه، ما استدعى، في نظره، المطالبة بأقصى العقوبات، ردعًا وحماية لما تبقى من هيبة المدرسة العمومية.
الحكم لم يكتفِ بالعقوبة السجنية، بل حمّل المدان تعويضًا قدره 15 مليون سنتيم، لفائدة مدير المؤسسة، إضافة إلى ثلاثة ملايين سنتيم، لفائدة الأكاديمية الجهوية للتربية الوطنية، والمديرية الإقليمية، في رسالة واضحة، مفادها أن الفوضى لها ثمن، وأن المدرسة ليست ساحة لتصفية الحسابات.
في الجهة المقابلة، رسم دفاع المتهم صورة مغايرة للمشهد، معتبراً أن موكله وجد نفسه، وسط عاصفة، لم يشعلها، وأن اسمه أُدرج في الملف، دون أدلة مادية حاسمة، تثبت تورطه المباشر في الرشق أو في إصابة المدير. وأشار الدفاع إلى تضارب الشهادات وتعدد الأسماء الواردة في التحقيقات، مؤكداً أن موكله تواجد بالمكان، حسب قوله، بدافع المساعدة ومحاولة تهدئة الأوضاع، لا إشعالها.
وبين رواية تعتبره فاعلًا في فوضى، خرجت عن السيطرة، وأخرى تصوره شاهدًا أُسيء فهم حضوره، قالت المحكمة كلمتها، واختارت ترجيح كفة الإدانة، في ملف يختزل، بشكل مؤلم، كيف يمكن لشجار تافه، أن يتحول إلى مأساة، وكيف تصبح المدرسة، في لحظة انفلات، مسرحًا، لأحداث لا تمت للتربية بصلة.
ويبقى السؤال معلقًا: هل كان الحكم نهاية قصة عنف، أم مجرد فصل آخر ،في مسلسل طويل، عنوانه العريض… المدرسة حين تخرج عن الدرس؟




