ضربة قلم
بعد محكمة أكادير، ها هي محكمة الحسيمة تدخل التاريخ القضائي المغربي بخطوة وُصفت بالسابقة في الإقليم، إذ أصدرت حكمًا أول من نوعه يقضي باستبدال عقوبة حبسية بغرامة مالية. القضية تتعلق بمتهم ضبط في حالة تلبس بترويج الخمور بدون ترخيص، كان من المفترض أن يقضي عقوبة حبسية مدتها شهرين، غير أن المحكمة فضّلت أن تمنحه مخرجًا مختلفًا: دفع 100 درهم عن كل يوم من العقوبة، أي ما مجموعه ستة آلاف درهم بدل قضاء 60 يومًا خلف القضبان.
هذا الحكم، رغم بساطته في الظاهر، يفتح الباب واسعًا أمام نقاش اجتماعي وقانوني عميق حول جدوى العقوبات السجنية في القضايا البسيطة، وما إذا كان المجتمع بحاجة فعلًا إلى المزيد من المعتقلين أم إلى مزيد من الآليات الإصلاحية.
بين الردع والإصلاح
تقليديًا، كان السجن هو الحل الجاهز لكل من خالف القانون، بغض النظر عن طبيعة المخالفة وظروفها. فالتاجر البسيط الذي يبيع الخمر سريًا، والمتشاجر في الشارع، وحتى من ارتكب مخالفة مرور جسيمة، كلهم يجدون أنفسهم في نفس الفضاء المغلق، محكومين بعزلة زمنية قد تترك آثارًا أعمق من الجريمة الأصلية نفسها. السجن، بدل أن يكون مؤسسة لإعادة الإدماج، صار في كثير من الأحيان مصنعًا لإعادة إنتاج الانحراف، إذ يجتمع فيه المتهم البسيط بالمجرم المحترف، ويتحول التعايش اليومي إلى دورة تدريبية غير معلنة في فنون الجريمة.
من هنا، يكتسي قرار محكمة الحسيمة أهمية خاصة، فهو يعلن عمليًا عن بداية تحوّل في العقل القضائي المغربي، من منطق العقوبة الصارمة إلى منطق الإصلاح التدريجي.
البدائل: فلسفة جديدة للعقاب
مشروع القانون الجنائي المغربي سبق أن طرح فكرة البدائل: الغرامات، الأشغال ذات المنفعة العامة، الحرمان من بعض الحقوق المدنية. هذه العقوبات ليست مجرد تخفيف أو “رحمة” بالمدانين، بل هي تعبير عن وعي جديد يرى أن العقوبة يجب أن تكون وسيلة لإعادة إدماج الفرد في المجتمع، لا لإبعاده عنه.
فالشاب الذي يحكم عليه بخدمة المجتمع عبر تنظيف الحدائق أو طلاء المدارس أو المساعدة في دار للأيتام، يتعلم قيمة العمل، ويتذوق معنى المسؤولية، بدل أن يقضي أيامه في زنزانة مظلمة يتغذى على قصص الإجرام. والفقير الذي يؤدي غرامة مالية بدل السجن، يجد نفسه مجبرًا على إعادة التفكير في خياراته، لأنه لمس العقوبة بشكل مباشر في جيبه لا في حريته فقط.
بين النظري والعملي
غير أن تطبيق هذه البدائل يطرح أسئلة عملية معقدة:
-
ماذا عن الفقير الذي لا يملك درهمًا واحدًا لأداء الغرامة؟ هل سيظل السجن قدره الحتمي؟
-
كيف يمكن مراقبة تنفيذ الأشغال ذات المنفعة العامة وضمان جديتها؟
-
وما هي المعايير التي ستحدد متى يُستبدل السجن بالغرامة أو الخدمة المجتمعية؟
القضاة سيجدون أنفسهم أمام توازن صعب: الحفاظ على هيبة القانون من جهة، وضمان الطابع الإصلاحي من جهة أخرى.
الواقع المغربي: سجون تختنق
التوجه نحو البدائل ليس ترفًا قانونيًا، بل هو ضرورة اجتماعية. الأرقام الرسمية تتحدث عن اكتظاظ خانق في السجون المغربية، حيث يتجاوز عدد النزلاء أحيانًا الطاقة الاستيعابية بأضعاف. هذا الواقع يخلق بيئة غير إنسانية، ويجعل أي برنامج لإعادة الإدماج شبه مستحيل.
وبدل بناء المزيد من السجون التي ستبتلع الملايير من ميزانية الدولة، يبدو الحل في تقليص أعداد السجناء عبر اعتماد عقوبات ذكية ومبتكرة، تخفف الضغط وتحقق الردع المطلوب.
العدالة بين الانتقادات والتطلعات
البعض قد يرى في الحكم الصادر بالحسيمة نوعًا من “التساهل” قد يشجع على التمادي، متسائلًا: ماذا لو صار كل مروج خمور أو مخالف للقانون يشتري حريته بالمال؟ هل سنصل إلى عدالة من طبقتين: الفقير يسجن والغني يدفع ويخرج؟
هذه التخوفات مشروعة، لكنها في الواقع تدعو إلى تطوير المنظومة بدل إلغائها. يمكن مثلاً ربط الغرامات بمستوى الدخل، كما هو معمول به في بعض الدول الأوروبية، حيث الغني يدفع عشرات الآلاف عن نفس المخالفة التي يدفع عنها الفقير بضع مئات. الهدف ليس المساواة الحسابية، بل العدالة الاجتماعية التي تراعي الفوارق.
إشارات المستقبل
ما وقع في أكادير ثم في الحسيمة قد لا يكون سوى البداية. مع مرور الوقت، قد نجد أنفسنا أمام قضاء مغربي جديد يزاوج بين الصرامة والمرونة، بين الزجر والإصلاح، قضاء يفتح أبوابًا جديدة للعدالة الإصلاحية، خاصة في الجرائم الصغيرة والمتوسطة.
هذا التحول، إذا ترسخ، لن يخفف فقط من اكتظاظ السجون، بل سيعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات العدالة. فالمواطن حين يرى أن العقوبة عادلة وهادفة، سيتعامل مع القانون باعتباره جزءًا من حياته اليومية، لا كعقبة أو سيف مسلط على عنقه.
خاتمة: العدالة التي نريد
حكم الحسيمة ليس مجرد سطر في محضر قضائي، بل هو إشارة قوية إلى أن العدالة المغربية تبحث عن مخرج جديد من ثنائية “السجن أو البراءة”. العدالة التي نريدها ليست عدالة الخوف فقط، بل عدالة الأمل أيضًا؛ عدالة ترى في الجاني فردًا يمكن أن يُصلح، لا مجرد “مجرم” يجب التخلص منه.
وبين سطور هذا الحكم، قد يكون المغرب قد خطا أولى خطواته نحو قضاء أكثر إنسانية، قضاء يجعل من العقوبة وسيلة للبناء لا للهدم، ومن القانون حافزًا على الإصلاح لا مجرد أداة للزجر.




